الـجهوية الـمتقدمة بالـمغرب نـحو تكريس شراكة ديـمقراطية وتنمية محلية مستدامة
محمد أشرف مشاط
يعتبر موضوع الجهوية من أهم المواضيع التي استأثرت باهتمامها المجتمعات الحديثة، نظرا لارتباطه بترسيخ الديمقراطية وبناء صرح التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتكريس العدالة الاجتماعية من خلال توزيع الاختصاصات والمشاركة المحلية في صناعة القرار، وهكذا نجد معظم دول العالم في عصرنا الحالي يزداد اهتمامها بالمؤسسة الجهوية، كإطار ملائم للمساهمة في بلوة إستراتيجية جديدة للتنمية.
إن مسألة الجهوية في المغرب انطلقت مع صدور ظهير 16 يونيو 1971 الذي أسس للجهة كأحد الشركاء والفاعلين الاقتصاديين الرئيسين للدولة إلى جانب المؤسسات العمومية والمقاولات الخاصة، لكن مع فشل هذه التجربة في تحقيق أهدافها التنموية، أضحى المشرع المغربي يعطي أهمية أكبر للجهة حيث ارتقى بها إلى مصاف الجماعات المحلية كما هو مبين من المادة 94 من دستور 1992، وهذا ما تم تأكيده أيضا في دستور 1996، وفي هذا السياق صدر القانون 96-47 المنظم للجهات والصادر بمقتضى الظهير الشريف 02 أبريل 1997 ليؤكد أن الجهة أصبحت وحدة ترابية لا مركزية تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي والإداري.
إلا أن بعد مرور 13 سنة من تطبيق آخر مشروع للجهوية ألا وهي الجهوية الإدارية لا زال هناك تناقض مجالي كبير بين جهات المملكة وغياب تنمية حقيقية على المستوى المحلي وذلك لعدة اعتبارات نذكر منها على الخصوص : سيادة السلطة المركزية وضعف الاختصاصات السلطة اللامركزية الجهوية وكذا القيود المفروضة على السلطة المحلية من خلال ثقل سلطة الوصاية الممارسة على الجهة، إضافة إلى محدودية الموارد المالية والبشرية للجهة، من هنا أصبحت المطالبة والحاجة إلى جهوية متقدمة حقيقية تستجيب لمطالب التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمجالية ولكن بمعايير علمية دقيقة وفق نموذج أسس عدالة مجالية تقوم على رهانين :
رهان اقتصادي : يهدف إلى الزيادة في مؤشر التنمية الاقتصادية محليا من خلال توزيع موارد الجهة وتعزيز إمكاناتها الطبيعية.
رهان سياسي : يقوم على تحديد سلطات واختصاصات الجهة بشكل واضح وكذا تقسيم السلطة بين الدولة والسلطة المنتخبة.
لقد احتلت الجهوية المتقدمة مكانة جد متميزة ومتقدمة في الخطب الملكية حيث أعطى صاحب الجلالة النقاط الرئيسية والمحورية لمشروع الجهوية المتقدمة الذي جعل منها مكانة عليا وذات أهمية في الخطابات السياسية لجل الفاعلين وكتب فيها سطور عديدة تبين ركائزها وأهميتها وكيفية تطبيقها.
وهذا ما رأيناه من خلال تعيين اللجنة الملكية الاستشارية من طرف صاحب الجلالة حول وضع تصور أولي لمشروع الجهوية المتقدمة، وعملا على مسايرة التحولات التي تفرضها التنمية الاقتصادية لمواكبة التطورات الإقليمية والعالمية عمل المشرع المغربي من خلال الدستور الجديد لسنة 2011 على تخصيص باب كامل للجهات والجماعات الترابية الأخرى، معطيا بذلك للجهات قيمة مضافة على باقي الجماعات الترابية، ولعل فصول 135 إلى 146 توضح الدور المنوط بالجهة في انتظار صدور باقي القوانين التنظيمية المتعلقة بالجهة.
ولعل أولى ملامح وضع لبنات مشروع الجهوية المتقدمة هو مصادقة المجلس الحكومي مؤخرا على مشروع المرسوم رقم 2.15.40، بناء منه على دستور لاسيما الفصل 71 منه وعلى قانون رقم 131.12 المتعلق بمبادئ تحديد الدوائر الترابية الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.13.74 بتاريخ 27 يوليوز 2013 خاصة المادة 3 منه وباقتراح من وزير الداخلية ينص على تقسيم التراب المملكة إلى 12 جهة.
إن الواضح من خلال القيام بدراسة متمعنة لقانون الجهوية المتقدمة أن المشرع استفاد من التجارب السابقة من خلال تجاوزه لعدة اختلالات كانت تعتري التجارب الجهوية السابقة وبالتالي منح الجهة صلاحيات جد واسعة ومهمة في عدة مجالات حيوية أيضا من حيث الاستقلالية والمبادرة واتخاذ القرار على المستوى المحلي بشكل لا يتعارض مع المستوى الوطني من خلال جعل رئيس الجهة هو الآمر بالصرف للجهة الذي سينتخب بطريقة مباشرة، هناك تقليص لمبدأ الوصاية وجعلها وصاية بعدية إلا في المجال المالي الذي تبقى فيه وصاية قبلية، هناك أيضا إحداث صندوق التأهيل الاجتماعي وكذا صندوق التضامن بين الجهات...
أيضا منحت للجهة ميزانية خاصة وموارد محلية تستفيد منها وكالتها للتنمية التي تقوم بالدراسة والتوجيه والاستشراف والاستشارة.
إن المشرع المغربي يؤسس لجهوية متقدمة، تجربة جهوية مغربية وبحمولتها المغربية تأخذ بعين الاعتبار تبعات الدولة الموحدة وتكرس فيه جهة تعالج فيها الاختلافات والسلبيات السابقة فيما يسمى جهوية متقدمة ذكية تتجنب المخاطر المحيطة وتتصيد الفرص المتاحة من أجل تنمية محلية مستدامة في جميع القطاعات.
إن الجهوية المتقدمة بعد التقطيع وسن القوانين الأولية لهذا المشروع ليست في حقيقة الأمر سوى في بداية الطريق وما بقى من أوراش أعظم، حيث وجب لإنجاح هذه التجربة توفير مجموعة من النقاط الرئيسية وهي على سبيل الذكر لا على الحصر :
- خلق تجانس وتكامل بين المجالات المنتمية لنفس الجهة مما يسهل مهمة التشارك والتشابك لخلق مشاريع اقتصادية تنموية.
- وجوب توفير نصوص قانونية واضحة تحدد الاختصاصات بين المجالس والجماعات الترابية من جهة وبين المجالس المنتخبة وسلطات المركزية في الجهة متمثلة في مؤسسة العامل والوالي.
- يجب الانكباب على مكانة الوكالات الخاصة الخاضعة مباشرة لسلطة الدولة المركزية وهي الوكالات الترابية والقطاعية دون نسيان الوكالة الخاصة طنجة-المتوسط وكيفية تدبير أمورها وتعايشها مع القرارات المتخذة على مستوى مجالس الجهات.
- وجوب إصدار قانون اللاتركيز من إعطاء صلاحيات مهمة وتقريرية للمصالح الخارجية للدولة.
- توفير الموارد المالية والبشرية للجهة لأن بدونهما لا يمكن تفعيل وإقرار الإجراءات والصلاحيات خاصة في ظل وجود اختصاصات هامة للجهة.
- إعمال لمبدأ المحاسبة لما يعطي هذا المبدأ من ضمانات للرأي العام المحلي في عدم وجود إفلات من العقاب والمحاسبة لأي مسؤول في تسيير أمورهم.
- وجوب توفير نخب محلية ذات كفاءة عالية ومسؤولة قادرة على الإنتاج وتحمل المسؤولية من أجل توفير خدمات للساكنة المحلية في مجال التنمية المستدامة.
وفي الأخير وجب التنبيه على أن الدولة لا يجب أن تنسحب باسم الجهوية المتقدمة وتترك الجهات في تنافسية مفتوحة لأن ذلك سيؤدي إلى تفاوتات خطيرة بخصوص التنمية بين الجهات، خاصة ونحن في زمن التحولات والتنافسية ستعمل الجهات القوية مجاليا على تقوية إمكانيتها من خلال استقطاب شبه كلي للمقاولات وكل هذا سيكون على حساب الجهات الفقيرة التي ستجد نفسها غير قادرة على التنافس وهذا ما حدث بالضبط في التجربة الإيطالية بين شمال غني وجنوب فقير أصبح عالة على باقي التراب الإيطالي.
