تونس ستنتصر على الإرهاب وعلى من يدعمه
رشيد أخريبيش
يريدون أن يطفئوا نور الثورة في تونس كما فعلوا في كل الدول التي ثارت ضد الظلم والديكتاتورية ، فبعدما فشلوا في التصدي للثورة والوقوف في وجه إرادة الشعب التونسي، بعد إسقاط الديكتاتور العجوز الذي جثم على صدور الشعب التونسي لعقود من الزمن ،عادوا هذه المرة من زاوية أخرى، إنها زاوية دعم الإرهاب ،وتمكينه من زعزعة أمن تونس ،وإدخالها في أتون الحرب القذرة، ومن ثم القضاء على حلم هذا الشعب العظيم، الذي آمن بالديمقراطية وجعلها الطريق الوحيد للخروج من التخلف الذي يؤرق جل شعوب المنطقة .
الكل يعرف أن هناك من الدول العربية من شمرت عن ساعديها، منذ أن بدأت الشعوب في العالم العربي، وفي دول المغرب الكبير تثور ضد حكامها المتسلطين ، حيث أبانت عن تدخلاتها مباشرة لوأد الديمقراطية ،والعودة بالبلدان إلى مستنقع الديكتاتورية ،التي أصبح فيها الحاكم العربي قريبا من منزلة الإله ،بل لا نغامر إن قلنا بأنه هو الإله ، وهذه الدول أنفقت المليارات من أجل تحقيق أهدافها، ونحن قد رأينا كيف اجتمعت دول عربية على كلمة سواء، لإفشال الثورات في الدول التي رأت فيها الديمقراطية النور، مع العلم أن هذه الدول لم تجتمع يوما على كلمة توحدها وتنتصر لقضايا شعوبها، ولكن يا للأسف، لهف السلطة أعمى أبصار زعماء هذه الدول، وتركهم في بحث مستميت عما يمكنهم من الاستمرار في الحكم إلى أجل غير مسمى ، فظنوا أنهم بذلك سيجعلون الشعوب تتراجع عن المطالبة بالديمقراطية، وبصناديق الاقتراع التي يرتعد منها هؤلاء لمجرد السماع بها، لأنهم لا يملكون ذرة من الديمقراطية التي يواجهون بها شعوبهم وشعوب العالم التي تنعم بالديمقراطية وبحقوق الانسان ، وتونس بدورها لن تكون لقمة سائغة في فم من لديه مصلحة في زعزعة أمنها واستقرارها .
بعد التفجيرات الجبانة التي استهدفت متحفا بالعاصمة التونسية والتي أودت بحياة 23 شخصا وأكثر من 20 جريحا، يمكن القول أن هناك الآن من يحاول العودة بالتونسيين إلى الوراء ، وإدخالهم في نزاعات وحروب وتطاحنات داخلية ، فتونس التي عرفت انتخابات رئاسية شهد العالم على نزاهتها ،والتي أثبت شعبها الأبي بعد سقوط الديكتاتور بن علي، بأنه لن يقبل أن يكون وقود تلك النارالتي تحاول بعض الدول إشعالها،لكن تونس لن تستسلم لهذه المؤامرات التي تحاك ضدهها، ولن تقبل أن تعود ولو خطوة إلى الوراء ، فإذا كانت الدول التي تحدثنا عنها في السابق قد تدخلت في شؤون مصر،وأجهضت حلم المصريين عبر دعمها للانقلابيين، وتدخلت في ليبيا وقسمتها إلى ملل ونحل عبر دعمها المرتزقة ضد الدولة في إطار ما يسمونه بالثورة المضادة ، لأن الشعب التونسي المتحضر الذي يؤمن بالديمقراطية إيمانا حقا، أكبر من أن يتم التأثير عليه بهذه الأفعال المتوحشة ، وأكبر من أن يتراجع إلى الوراء بفعل هؤلاء الذين يتمنون يوما تغيب فيه شمس الحرية عن تونس وعن غيرها.
الكل يعرف أن المؤامرات ضد تونس لم تتوقف ولن تتوقف، شأنها شأن جميع الدول التي تسعى إلى ركوب سفينة الديمقراطية ، لكن مع ذلك نقول إن تونس ليست كباقي الدول التي اسستسلمت لهذه المؤامرات، وشعبها لا يمكن مقارنته بباقي الشعوب الأخرى ، فإذا كانت تلك الدول قد نجحت في إفشال مسلسل الديمقراطية في كل من مصر وليبيا، فإنها لن تنجح مرة أخرى مع تونس لأن تونس منذ البداية فهمت اللعبة وأدركت بحس أبنائها الشرفاء، أن هناك من الدول من لا يريد لهذا العرس الديمقراطي أن يكتمل، لذلك تجدهم يفتعلون الأفاعيل من أجل إجهاض أي تقدم يمكن أن يسير بتونس في اتجاه بناء دولة ديمقراطية، تحترم حقوق شعبها ونتقل بهم إلى بر الآمان .
قد لا أختلف مع من تحدث عن هذه العملية الإرهابية المتوحشة وربطها بالخطر الجهادي الذي يهدد المنطقة بأكملها ، وبتنظيم الدولة الإسلامية الذي أعلن مسئوليته عن ذلك التفجير الإرهابي، لكنني أختلف معهم بعض الشيء، فيما يتعلق باختيار هذا التنظيم لتونس بأن تكون مسرحا لعملياته الارهابية، ولم يختر بلدا آخر غيرها، ألا يعني هذا أن هناك من الدول العربية من يدعم هذا التنظيم ويحاول استعماله كسلاح ضد أي تجربة ديمقراطية في المنطقة ؟
الدول الديكتاتورية والتي ما تزال تستعبد شعوبها في القرن 21 والتي تخاف من الديمقراطية ،هي من تحاول الآن زعزعة أمن تونس واستقرارها، ومن يعتقد بخلاف ذلك إما أنه يصدق ما تروج له بعض الفضائيات، التي تمول من طرف الديكتاتوريات، وإما انه أيضا له مصلحة في الترويج لمثل هذه الروايات ، لأن من يتمعن في كل ما يحدث الآن ،سيجد أن هناك من الدول من لا يستريح لها بال ،حتى ترى تلك الدول التي اختارت المسار الديمقراطي ممزقة إلى فرق تتناحر وتتقاتل، وهذا يسعدها بلا شك، ويمكنها من الترويج لفكرة "فوبيا الديمقراطية" التي يجعلونها شعارهم الخالد .
من حاول إفشال ثورات الربيع الديمقراطي في مهدها، ومن مول بالمال والسلاح ،هو من لديه مصلحة في إفشال ثورة تونس ، فبعد أن قاموا بالترويج لفكرة تنظيم الإخوان العالمي في مصر، وبعدما سخروا كل ما لديهم من قوة لشيطنتهم، وإسقاط حكم الرئيس الشرعي الذي جاء عبر انتخابات نزيهة ، وبعد أن قاموا بنفس الشيء في ليبيا وجعلوها عرضة للحرب الأهلية، لم يجدوا في تونس ما يمكنهم من لعب نفس الألاعيب، وقرروا الانتقام منها عبر دعم مثل هذه الجماعات الإرهابية التي لا تعرف إلا لغة القتل.
لا أحد يقبل بالإرهاب، ولا أحد يقبل بالقتل وإزهاق أرواح البشر كيفما كانت ألوانهم وكيفما كانت أعراقهم ، لأننا نحتاج إلى فكر يرقى بنا إلى تقدير انسانية الإنسان والدفاع عنها ، لكن في المقابل لا يجب أن نقبل أيضا بهذه الديكتاتوريات التي أهلكت الحرث والنسل وعاثت في بلادنا فسادا ، فالشعوب التي تخرج الآن في مسيرات ضد الإرهاب الذي يستبيح دماء الناس، يجب أيضا أن تخرج ضد هذه الدول الديكتاتورية، لأنها هي من تدعم هذا الإرهاب وهي من تموله والواقع مليء بالأمثلة على ذلك .
نحن نعرف جيدا وليس لدينا أدنى شك، بأن تونس ستخرج من هذه الأزمة منتصرة على كل المؤامرات ، فالإرهاب لن يجد مكانا له في تونس، ومخططات الدول التي سعت على الدوام إلى إجهاض الحلم الديمقراطي في تونس حتما ستفشل ، فهنيئا للشعب التونسي الذي يظهر دائما تشبثه بالديمقراطية وبالحرية ، والذي يرفض القيود والديكتاتورية، وهنيئا لهذا الوطن الذي لا يقبل بالإملاءات كما قبل بها البعض، وتحية للجيش التونسي الذي يظهر حرصه على الوطن وعلى المسار الديمقراطي الذي هو أساس تقدم الشعوب وازدهارها.
