السجون المغربية و حقوق الإنسان بين الحق في الحياة و عقوبة الإعدام

السجون المغربية و حقوق الإنسان بين الحق في الحياة و عقوبة الإعدام

سعيد صابر

 

 

تشهد أغلب المدن المغربية انفلاتا أمنيا خطيرا تؤكده ارتفاع نسبة الاعتداءات على الأفراد و الممتلكات، و ارتفاع عدد الجرائم المرتكبة  من طرف المجرمين و المنحرفين في الآونة الأخيرة -خاصة في المدن الكبيرة كالدار البيضاء .فاس,مراكش.....- الأمر  المؤسف في كل هذا أن مرتكبي هذه الاعتداءات و الجرائم في أغلب الأحيان شبان في مقتبل العمر، بل مِنهم مَن يتابع دراسته في الإعداديات أو الثانويات, أي تلاميذ ننتظر منهم أن يكونوا بناة هذا الوطن فإذا هم أول من يهدم طريق مسيرة تنميته. كما أن  المؤسف  كذلك أن الجرائم أصبحت تتم في واضحة النهار  في بعض الأحيان ،و على مرأى من رجال الشرطة.

   

      لقد قطع العالم أشواطا كبيرة في ميدان حقوق الإنسان و المغرب كذلك, لكن هذه النعمة في طيَّاتها نقمة. فانعدام الوعي و انتشار الأمية لدى شريحة كبرى من فئات المجتمع تجعلهم يعتقدون أن الحرية و حقوق الإنسان هي :الفوضى . ولهذا تجد هذه الشريحة تضرب بقيم المجتمع عرض الحائط. والمشاهد المذلة و المخزية التي أصبحت تؤثث فضاءاتنا خير دليل. فالأسلحة البيضاء و السيوف بكل أشكالها تباع على مرأى من الجميع و تتفاجأ عندما تسمع عبارات من أفواه أشخاص يحملون سيفا معروضا للبيع بأحد الأسواق مثل: "زوين هاد السيف غير ديال المطايفة و خلاص" أو قولهم :"مُوس غير دْيَال السليخ يْكَالي الوقت في شي سَعْرة"سيوف تباع هنا و هناك و كأن الناس في حرب مع جيوش التتار.

 

كما قد يُشَنف سمعك قول أحدهم إن أخبره صديق عن احتمال ذهابه إلى السجن إن أمسكوه بالأداة الحادة: "هل السجن يخيف؟راني وَاكل , شارب, ناعس, كَامي, بخير و مْدَبَّر على الصرف احسن من الدار, والله يجعل البركة في حقوق الإنسان". ثم هناك من  الأشخاص من يُفَصِّلُ في عدد السنوات التي سينالها إذا قام بجريمة فتسمع عبارات أخرى من قبيل:" شحال غادي ناخد كاع؟ 5 أو 10 سنوات نَاخُدْهُم فيك و نقتلك.آش غادي يطرا؟

 

    حاولت تفسير المنطق الذي يفكر به هؤلاء الأشخاص فعلمت أنهم لم يخبروا و لم يعرفوا حقيقة و ماهية حقوق الإنسان حق المعرفة.فهذه الحقوق تعتبر التزاما أكثرمنه حرية ،و لهذا السبب ارتأيت أن أقدم بعض الاقتراحات للمناقشة و أتمنى أن تلقى بعض الاهتمام من طرف المسؤولين. 

 

     إذا رجعنا إلى الوراء و درسنا تاريخ الدول التي تعتبر حاليا رائدة في مجال حقوق الإنسان. نلاحظ أن ازدهارها الحالي ،أغلبه تأسس على أيدي و أكتاف سجناءها، حيث كان السجناء يبنون السكك الحديدية التي قربت المسافات بين مناطقها, و يحفرون الأنفاق في جبال تلك الدول لتسهيل المواصلات. ليس ذلك عقابا لهم فقط و لكن كتعويض عن الخسائر التي كبدوها لمجتمعاتهم بسبب جرائمهم.و أقترح أن يتم نفس الأمر عندنا. فما أحوجنا إلى مشاريع مثل هذه ،و أنتم تعرفون مثلي أن في المغرب هناك مناطق لا تزال معزولة عن العالم الخارجي بسبب صعوبة مسالكها و كم من جبال لو تم حفر أنفاق داخلها لسهلت حركة المرور و لقلصت من نسب الحوادث التي تقع بسبب وعورة بعض الطرق (تيزي تيشكا مثلا).

   العمال الذين سيقومون بهذه الأشغال هم السجناء الذين سيتعلمون و لو بطريقة غير مباشرة معنى" الوطنية الحقة" عندما يرون أنهم يساهمون في ازدهار الوطن , و لا داعي للقول أن هذه الأعمال ستكون مدفوعة الأجر:" أي ستكون مقابل إقامتهم في المؤسسات السجنية, أكلهم و شربهم, وإذا بقي لهم شيء من المال فيذخرونه لبدء حياة جديدة عند انتهاء و قضاءهم العقوبة" .و هنا لا يجب نسيان خضوع السجون إلى تغييرات جذرية في نظامها الحالي لتكون فعلا مؤسسات للإصلاح و ليس وكرا لتفريخ المجرمين. هذه الطريقة في نظري ستمكن السجناء من تعلم حرف قد تساعدهم في حياتهم و وسيلة لتقويم انحرافاتهم. وكما قلت سابقا ستزرع في نفوسهم روح المواطنة كما أنها في اعتقادي نوع من رد الدين للدولة التي يعيشون فوق أرضها و تظللهم سماؤها.

 و لن يقتصر الأمر على الأعمال الشاقة فقط, بل يمكن للسجناء أن يقوموا بأعمال اجتماعية مفيدة للمجتمع إذا كان المذنبون ببعض الجرائم أو المخالفات يقضون عقوبات صغيرة: مثلا أن ينظفوا شوارع المدن أو القيام ببعض حملات التوعية في صفوف الساكنة مثل إلقاء محاضرة أو القيام بعمل خيري إذا كان هؤلاء المخالفين من الفئة المثقفة أو التي لها تأثير سياسي أو اجتماعي أو فني أو رياضي ليتخذ الناس منهم مثالا.

  لا أعتقد أنني الوحيد الذي فكر أو يفكر في هذه الاقتراحات كحلول لبعض مشاكلنا. قد يتهمني البعض باني أريد أن أعود بالمغرب سنوات إلى الوراء لكني أقول لكم:" إن الوضعية الأمنية بالمغرب أصبحت لا تطاق و المغرب في حاجة إلى سواعد كل أبناءه لأجل المضي به قدما في سبيل الازدهار". و لعل الفيضانات الأخيرة قد عرت الوضع البئيس الذي تعيشه مناطق كثيرة ببلدنا المغرب.و هذه المناطق تدعوكم إلى مساعدتها.

 

 أخيرا و ليس أخرا، و هذا في الأصل ما دفعني إلى الكتابة حول هذا الموضوع، ألا و هو المطالبة  بتشديد العقوبة على مرتكبي الجرائم الخطيرة  في المجتمع، و لن أكون من زمرة المدافعين عن إلغاء عقوبة الإعدام لأن هذ العقوبة صارت ضرورية في عديد من الحالات، فالحق في الحياة لا يمكن أن يكون على حساب حيوات أخرى، و على سبيل المثال : ماذا سيستفيد المجتمع من شخص قتل أبرياء دون وجه حق؟ ماذا سنستفيد من مغتصب الأطفال و قاتلهم؟ ماذا سنستفيد ممَّن قطَّع جثت أناس أبرياء إلى أشلاء؟ ماذا سنستفيد ممن قتل أصوله و مَثَّل بجثتهم؟ ماذا عن الذين يرتكبون جرائم بالتسلسل؟ و هناك حالات أخرى لأناس و مجرمين لا يستحقون الحياة رغم أنني لست المخول له لتصنيف الناس إلى من يستحق العيش أم لا. لأن هناك قضاء يلجأ أليه المتقاضون و لكن أخاف أن يأتي يوم يصير فيه الناس يأخذون حقهم بأيديهم كما هو قانون الغاب، و إلا كيف نفسر ارتفاع قضايا "الضرب و الجرح" في المحاكم. أما المدافعون عن إلغاء العقوبة فلا داعي للتذكير بمن يقف وراءهم. و ياترى ماذا سيكون موقفهم إذا تعرض أحد أبناءهم" ذكرا أو أنثى" إلى الإغتصاب و القتل و التمثيل بجثته و في الأخير يُحكَمُ على الجاني بعشر أو 15 سنة أو الإيداع في مصحة عقلية؟ هل سيقفون مع زمرة المنددين بالحكم أم سيتقبلون الأمر بصدر رحب؟

 

 قد أبدو متناقضا في أقوالي هنا، بين المقترحات في النصف الأول مع ما أقوله في الشطر الأخير، لكن ليس الأمر كذلك. لأن في بعض الأحيان يجب الضرب بيد من حديد للقضاء على بعض الظواهر السلبية في المجتمع، و رغم أن شرح الواضحات من المفضحات فلن أبحث بعيدا و سأحيلهم إلى ما فعلته  مذكرات وزير التربية الوطنية" بلمختار" الذي جرم العقاب في المدارس  و أعطى المتعلمين حقوقا تفوق أحلامهم ،فعمت الفوضى في كل الأسلاك، و أصبحنا كل أسبوع مع فضيحة أكبر من أخرى فقط لأن التلاميذ عرفوا أنهم لن يتعرضوا إلى أي عقاب بسبب حقوق الطفل، و اعكسوا أو انسخوا نفس الفكرة على حقوق الأنسان في السجون المغربية لتعرفوا النتيجة مسبقا, و لابد أن عدد و نوعية الجرائم التي صرنا نسمع بها يوميا تكفيكم لتعرفوا حجم التسيب الذي صرنا نعيشه في المغرب.

 

 

  حقوق الإنسان ورش كبير يمشي المغرب في طريقه بخطى ثابتة، وهو ورش مستمر، جميل أن ندافع عن حق الحياة للسجناء و المجرمين، لكن الأجمل أن نضمن أولا الحق في الحياة لكل إنسان على وجه الأرض. و لن نجد أحسن من قوله تعالى خاتمة لكلامي:" مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا" صدق الله العظيم.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة