"كثير من الصداقات من صنع الشيطان..."

"كثير من الصداقات من صنع الشيطان..."

امل مسعود

 

إنسانة عزيزة على نفسي، طلبت مني أن اترك مؤقتا المقالات  السياسة لأكتب موضوعا اجتماعيا عن الصداقة. و لأن أغلبنا استنشق رحيقها العذب أحيانا واكتوى من نارها الغادرة الحارقة مرات عديدة، فلم أجد عنوانا  أصدق من مقولة الكاتب العراقي  جميل شيخو " كثير من الصداقات من صنع الشيطان" .

                                               

المغفور له الحسن الثاني طيب الله تراه عانى كثيرا من غدر الأصدقاء، فعاش في حياته أقسى خيانة يمكن أن يتعرض لها المرء من صديق يثق فيه، و مع ذلك عندما سأله صحفي هل سيستمر في ربط صداقات؟ أجابه  الحسن الثاني رحمه الله :"  من لا أصدقاء له ليس بإنسان . و أنا أفضل أن أكون ضحية صداقة على أن أكون قاتل صداقة"  

هذا الجواب الحكيم من ملك واع بإكراهات السلطة و الحكم، مولع بقراءة كتب التاريخ  التي ما فتئت تخبرنا أن الأصدقاء في السياسة أخطر من الأعداء، تجعلنا ندرك أن الحسن الثاني رحمه الله ناضل كي يعيش الملك و الإنسان مع بعضهما جنبا إلى جنب و ألا ينتصر أحدهما على الأخر. فرغم التجارب المؤلمة التي تعرض لها، ظل مؤمنا بقيمة الصداقة لأنه لا يريد أن يخنق الإنسان فيه.

فمن منا لم يعاني من صداقة انتهت بجرح دفين؟ من منا لم يثق بابتسامة صديق، فسكن إليه و باح له بكل أسراره و جعله يتنزه في حدائقه، كاشفا له عما يدور في مكنون صدره، فاضحا أمامه كل عيوبه. فأصبح كمن يتمشى عاري الروح و النفس و الفكر أمامه. ثم و بعد فوات أوان، يكتشف أن الصديق لم يكن صديقا. و لكنه كان عدوا يلبس ثوب صديق. و أنه في الأصل كان يضمر له السوء و الحسد. و لا يريده أن يرتقي أو أن يكون راضيا و سعيدا. فيجده قد بدأ و بعد أن استحوذ على روحه، يتعمد زعزعته و إضعافه  عبر توجيه  انتقادات مستمرة لاذعة له  تذكره بزلاته و ضعفه. فيبخس كل عمل يقوم به بدل أن يشركه فرحة النجاح و الإنتاج. و يتعمد تسفيه كل أحلامه و مشاعره  و طموحاته لكي تهبط عزيمته و تضعف همته. فيتحول مع الوقت إلى إنسان فاشل عاجز بعد أن كان متوهجا بالطاقة ليكتشف بعد مرور السنين، أن من كان يعتقده صديقا سيعينه على غدر الزمان قد أعان الزمان عليه.

من منا لم يتعرض إلى ابتزاز عاطفي باسم الصداقة؟  فبدل أن يحافظ المرء على استقلاليته الذاتية، سيجد نفسه قد تحول إلى عبد مسخر، و إلى سلاح و دمية بيد صديقه. يحركه كما يشاء و يسيطر عليه كما أراد. فيجد نفسه مساقا  في معارك لا تعنيه، و قد أقحم  رغما عنه في مواقف و أوضاع محرجة ما كان ليرضاها على نفسه. و بدل أن يهتم بحياته و أحلامه سيجد نفسه على طول الخط يحاول إرضاء صديقه و لو على حساب مصالحه و سعادته.  و مع مرور الوقت سيستيقظ ليكتشف أنه كان ضحية صداقة مسمومة غير متوازنة، تستنزفه و تمتصه باسم العواطف الجميلة تارة و بالتهديد العاطفي تارة أخرى.

من منا لم يتعرض إلى خيانة صديق وثق به؟ يخبر المرء صديقه بغربته في الترشيح إلى وظيفة ما، فيقلل من شانها و يحتقرها و يظهر فيها العيوب الكثيرة. و عندما تفتر عزيمته ، سيكتشف كالأبله أن من كان يضنه  صديقا ينصحه قد أعد العدة ليقدم  ترشيحه للظفر  بالوظيفة  بدلا منه و بدون أن يخبره شيئا.

يثق المرء في صديقه، فيعرفه على أهله و يقدمه لخطيبته،  فيصطدم أنه بكل نذالة استباح عرضه، و أقام علاقة غير شرعية مع خطيبته أو أخته دون أن يقيم وزنا أو اعتبارا للصداقة التي كانت تجمعهم.   

يثق في صديقه، فيشرك معه مالا و رزقا، فيكتشف مع مرور الأيام أن صديقه قد سرق ماله و رزقه فعرضه  للإفلاس و الفقر.

فمن منا لم يكن يوما من الأيام بطريقة أم بأخرى ضحية للصداقة أو للشعور بالصداقة؟

و لكن يبقى كما قال المغفور له الحسن الثاني "الصداقة أمر ضروري". فنحن نتعلم من الأصدقاء و نسعد و نشقى معهم. فرغم التجارب القاسية علينا أن نستمر في ربط الصداقات مصداقا لقوله تعالى "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا" . 

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة