الحلف الخليجي طمس للشيعة أم صون لملك آل سعود ؟

الحلف الخليجي طمس للشيعة أم صون لملك آل سعود ؟

يونس حسنائي

لا اعتقد أن الحرب الدائرة رحاها بالخليج اليوم و التي تشنها قوى الاتحاد الوهمي الخليجي على الحوثيين باليمن هي من اجل القضاء على المد الشيعي الذي في نظرهم يشكل خطرا على الدول العربية التي تتخذ من المذهب السني قاعدة لها.

 فلو أخذنا الأمر من هذا المنظور السطحي فسنعتبرها حربا فكرية مذهبية بالدرجة الأولى بين السنة و الشيعة ، و الصراع الفكري الحضاري الديمقراطي لا يكون بالاستعانة بترسانة الدبابات و الطائرات من اجل إثبات مدى قوة فكر على الأخر، فانسب مكان لهذا الصراع القائم هو أن يكون عبر وسائل الإعلام و فوق طاولة الحوار و مناقشة الأمور بأسلحة الحجج و الأدلة ، و ليس بالقنابل و الرصاص. و المعروف أن الإنسان عندما تضعف حجته يلجئ إلى العنف من اجل إثبات مدى قوة حجته لأنه لا يقبل إطلاقا بالهزيمة الجدلية، و عليه أن يقضي على الأخر و يطمس فكره و دليله ليظل هو الأقوى في عيون الآخرين.

 فلنفرض جدلا أن هناك مدا شيعيا ينتشر بالعالم ، فهذا ليس سببا يعطيك الحق في اتخاذ الخيار العسكري كحل من اجل طمس هذا الانتشار لان الشيعة و على ما اذكر لم يحملوا يوما السلاح من اجل القضاء على المذهب السني، و ما يروج بالإعلام الفاسد و الذي هو السبب الرئيسي في هذه التفرقة و الفتنة الطائفية إنما هو فبركة و تظليل خطير ، فالمواجهة إذن يجب تكون عبر اعلام هادف و مناظرات حقيقية ، مستخدمين قوة و حجة العلم و ترك العنف و التعصب، أليس هناك أئمة و فقهاء و علماء سنة ليناظروا و يحاجوا بالحجة القوية أئمة الشيعة لنتخذ من الحرب خيارا أخيرا لردع فكر حر و نزيه ؟

 يجب احترام المذهب الشيعي كما نحترم عقيدة المسيحي و اليهودي. و كما نعطي لليهود و المسيحيين و الهندوس بل و حتى الجمعيات المنادية بالحرية الجنسية و الإفطار العلني الحق في إقامة شعائرهم و طقوسهم و ممارسة فكرهم، فكذلك يجب احترام الفكر الشيعي و توقيره. فإذا كانت نظرة السنة للشيعة على أنهم على خطأ و أنهم ضالون و مبتدعون ،

 فلا ننسى كذلك على أن الشيعة يرون في السنة أوجه الضلال و الابتعاد عن الدين الحق ، فإذن هناك خلاف فكري مذهبي في عقيدة واحدة تجمعنا و هي الإسلام ، و بالتالي وجب التحلي بالديمقراطية و احترام الرأي الأخر ما دمنا حقا بلدا يؤمن بمصطلح التعايش الديني الذي نقيم من اجله الحفلات و الندوات العالمية. أما اتخاذ البلدان السنية لطابع العنف ضد التشيع و البلدان الشيعية هو دليل حقا على ضعف حجتهم أمام المذهب الشيعي. و لا ننسى كما أن للشيعة طوائف و فرق متعددة كل يبحر بفلكه و فق فكره و معتقداته بل و يمكن القول أن فيهم طوائف متعصبة و لكن ليست كل الطوائف ، فكذلك للسنة طوائف متعددة و بعضهم أيضا متعصبون بل و متطرفون، يعتقدون بأشياء ما انزل الله بها من سلطان و كلها أيضا بدع و خرفات ...

 فكيف إذن نعطي الحق لأنفسنا كسنة و نحرمه على غيرنا ، أليست هذه أنانية و دكتاتورية عقائدية و نحن الذين ننادي بمفاهيم هي اكبر منا بكثير. ثم انه لم اسمع يوما أن شيعيا فجر نفسه أو ذبح شخصا كما تفعل داعش اليوم ، فهم يواجهوننا بالفكر و نحن نواجههم بالدم ، فمن أفضل من الأخر إذن و من ارقي من الأخر فكريا و حضاريا ؟ أليست إذن هذه الحرب بصمة عار غلى السنة و دليل على هوانهم و ذلهم الأكيد؟ الأمر يجب أن يأخذ منحى أخر فعلا و هو الجلوس إلى طاولة الحوار و مناقشة الأمر وديا ، و الدعوة بالتي هي أحسن كما أمرنا ديننا الحنيف، و العدو الحقيقي اليوم و الذي حقا يجب مواجهته و الذي يشكل فعلا خطرا على امن الدول هو تنظيم داعش الإرهابي و الكيان الصهيوني المحتل لأرض فلسطين هذان التنظيمان اللذان لا يتقنان سوى لغة الدم و العنف و متخصصون في أكل الأخضر و اليابس و القتل بحجة أو بدون حجة و محترفون في فن الدسائس و لهم تاريخ طويل في الخيانة ، فكان من الأولى لو وجه الحلف الخليجي طائراته و دباباته إلى معاقل هذه التنظيمات الخطيرة للقضاء عليها.

و ما دمنا ننهل من التجارب الخارجية واحدة تلوى الأخرى من دول أوروبا و نغرد لها سواء كانت فاشلة أم ناجحة ، دعونا نأخذها كذلك مثالا لنا في ما يخص تعدد المذاهب الدينية بهذه القارة و كيف تطغى المصلحة العامة على المصلحة الخاصة ، ففي أوروبا مثلا نجد الأغلبية الساحقة من الدول تعتنق المسيحية و المسيحيون في حد ذاتهم تجدهم متفرقين إلى بروتستانت و كاثوليك و أرثوذكس، لكن عندما يتعلق الأمر بالمصلحة العامة فهم يتركون هذا النقاشات جانبا و يركزون كل رؤاهم و قراراتهم نحو ما فيه مصلحة للشعب الأوروبي . السنة و الشيعة إخوة ، تجمعهم كلمة واحدة و هي (اشهد أن لا اله إلا الله محمد رسول الله) و الاختلاف في بضع نقاط لا يمكن حله بالدم، و الشيعية و السنة فكر و الإنسان يموت و الفكرة لا تموت ، فلما إذن نهدر الوقت بالدوران في حلقة مفرغة لا نهاية لها ، في وقت نحن في أمس الحاجة إلى الاتحاد و التماسك. كل هذا إن اعتبرنا حقا أن أصل الصراع فكري و مذهبي ،

و لكن يؤسفني أن أخبركم بالحقيقة الكاملة و المؤلمة، و هي أن كل هذه الأحداث لا علاقة لها بالمذهب أو الغيرة أو الدين ، لان أخر شيئ يهتم به ساسة العرب هو حماية الدين.. فالأمر مرتبط و بقوة بالحفاظ على ملك أل سعود و ضمان سيطرة هذه الأخيرة على الخليج العربي بعدما أضحت دول إيران و العراق ثم اليمن تشكل خطرا على ملكها الوليد و تهدد أسطورة سيطرتها على الخليج ، فمن أصلا أعطاها الحق لكي تمنع بلد ما من أن يكون قويا عسكريا و تفرض سيطرتها على تلك البقعة و من هي أصلا و من تكون؟ مملكة وليدة الأمس القريب أعطت لنفسها السلطة من اجل التحكم في كل البلاد المجاورة و التي لها تاريخ عريق و تقمع هذا و تعز الأخر؟ ففعلا قمت العبث هي هاته الصورة السوداء التي أمامنا ، فماذا لو أن إيران أو العراق أو اليمن تدخلت في الشؤون الداخلية لمملكة أل سعود و منعتها من التوسع و التسلح ؟ فماذا ستكون ردة فعل هذه الأخيرة آنذاك؟ أكيد أنها لن تقبل نهائيا و ستقلب الدنيا أسفلها عاليها..
 و هذا هو المعنى الحقيقي للأنانية و الديكتاتورية في أبهى تجلياتها ،و تطبيق منطق حلال علينا و حرام عليهم بحذافره .

 و من جهة أخرى على الشعوب أيضا أن تفهم جيدا و تعي انه ما دام المشكل سلطويا في أساسه و هو صراع من اجل السلطة و الريادة بالمنطقة و لا علاقة له بالمذهب أو الدين ، فلا دخل لها في ذلك إذن و الأولى أن تهتم بمشاكلها الداخلية و تعمل على تقوية مؤسساتها و أجهزتها في إطار تنافسي شريف و هذا هو الأصلح و الابقى إن كنا نعقل حقا.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة