عون السلطة العين والقدرة على التعليب الانتخابوي

عون السلطة العين والقدرة على التعليب الانتخابوي

نور الدين الطويليع

 

عدما عجزنا كمثقفين وحقوقيين وجمعويين عن تعبئة "حفنة" من الناس لوقفاتنا ومواقفنا الاحتجاجية، جاء رجل ثمانيني، عين(مفرد أعيان)، بلغ من الكبر عتيا، واشتعل رأسه شيبا،  من أقصى المدينة يسعى، ممسكا بتلابيب أمواج بشرية، هجمت على مقر عمالة اليوسفية بخيلها ورجلها، وعزفت أنشودة التنديد بالفساد وفق اللحن الذي لقنها إياها، معتبرا أي لحن آخر ضربا من النشوز الذي لا يمكن قبوله.

هذا المشهد الغرائبي طرح علي أكثر من علامة استفهام، وجعلني أنتعل الأسئلة، وأتساءل بقلق عمن يصنع الرأي العام بالمغرب، ومن له القدرة على الحشد والتعبئة وتكوين القواعد الانتخابية، وتعليب الذهنيات لترجيح هذه الكفة الانتخابية أو تلك، ودور من يسمون الأعيان أو الوجهاء المدثرين أحيانا بدثار السلطة في قالب "شيخ" في هذه العمليات النوعية التي تجعل النخبة المثقفة على الهامش، بدون أي فاعلية، أو بفاعلية جد محدودة، لا تقدم ولا تؤخر، ويأتي حضورها كديكور وواجهة لإضفاء الشرعية ووضع الخاتم على وضع نسب إليها، دون أن تلوح في الأفق أي دلائل تؤكد على أنه ابنها الشرعي، في وضع هو أشبه ما يكون بمباراة رفع ستار يجلبون إليها  ليصولوا ويجولوا داخل الميدان، ويسجلوا ما شاءت لهم أرجلهم من الأهداف، على إيقاع تصفيقات الجمهور الحارة، ثم يغادروا الميدان تصحبهم النشوة بالانتصار، دون أن يدروا أن المباراة الحقيقية ليست مباراتهم، وأن أطوارها تجري بالتزامن في القاعات المغلقة بعيدا عن الضوضاء والصخب والشد والجذب.

كثير من الأعيان يديرون اللعبة من خلف ستار، ويلعبون دور التجييش في الكواليس في مغرب القرن الواحد والعشرين الذي يشهد على إخلاص البلد لذاكرته، وسيره على النهج العينوي لمغرب القرن التاسع عشر، وإن بطرق مختلفة تقتضيها طبيعة المرحلة، كما وضح ذلك الدكتور عبد الرحيم العطري في كتابه "سوسيولوجيا الأعيان"، من خلال الخطاطة الآتية: "مؤسسات عصرية، لكن بممارسات وتصورات وعلاقات تقليدية".

لاعبو خط الهجوم هؤلاء لم يلجوا أي جامعة، ولم يتلقوا أي تكوين في مجال صناعة الرأي العام وخلق الطوابير الخامسة، ولا يستطيعون فك شفرة أبجديات النضال والاحتجاج التي يتفنن خريجو الجامعات والمؤسسات الحقوقية في رسمها و "حياكتها"، وبيان أسسها، دون أن يتمكنوا من بلورة معارفهم النظرية هذه على مستوى الواقع، لأن حكمتهم المدرسية في هذا المجال تبقى حبيسة النظريات ورفوف المكتبات، ولأن ما يقبل "الأجرأة" يلقن خارج أسوار المدرسة، ولا تستفيد منه إلا الفئة "المحظوظة" التي لا يمكن أن توظف معارفها ها هنا في الاتجاه المعاكس لإرادة المخزن، وبالتالي فهي الوحيدة التي تملك القن السري لصنع القطيع الانتخابي، تورثه لأبنائها من بعدها، وتشدد في وصية وفاتها على العض عليه بالنواجذ، وعدم تسليمه للغرباء، مهما علا كعبهم الثقافي والنضالي والحقوقي، ولعل هذا ما يفسر ارتهان النخبة المثقفة إلى هذه الفئة، وتهافت الأحزاب السياسية للترحيب بها وفتح الأحضان لها، لأنها تعرف أنها هي من بإمكانه وضعها في الصفوف الأولى، وألا أحد غيرها له هذه الإمكانية.

إذن، وفي ظل هذه الوضعية لن تخرج خربشاتنا وتدويناتنا في مواقع التواصل الاجتماعي، وكتاباتنا المؤطرة لمواضيع الانتخابات والمشاركة السياسية عن أن تكون مجرد مباراة رفع ستار، وتغريد خارج سرب المباراة الحقيقية بأبطالها الذي يجيدون فن مداعبة الكرة الانتخابية بالوراثة، بعيدا عن الأضواء الكاشفة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة