مجتمع برأسين...

مجتمع برأسين...

أمل مسعود

 

لم تثيرني يوما قضايا المرأة. لأنني كنت أشعر أنها قضايا مفتعلة ناتجة عن سوء فهم و عن أزمة وعي تصيب الرجل و المرأة على حد سواء. فرقة  و حنان المرأة تذكر الرجل بعنفه و حروبه التي لا تنتهي. و اندفاع الرجل و حب المغامرة فيه  تذكرها باستسلامها و ركونها في فضاء بأفق محدود. عندما ينظران في عيون بعضهما، يستفزهما رؤية عالمين متوازيين و لكن لا يستطيعان العيش إلا في عالم واحد و ليس لهما حق الانتقال و الإبحار في العالمين.  فيبدأ الاصطدام الذي هو في الأصل صراع داخلي.

فلو كتبت المرأة تاريخ الكرة الأرضية، كيف كانت ستكون أرضنا؟ هل كانت ستظهر نساء مكان أيشتين ليخترعن القنبلة النووية؟ و هل أرضنا كانت ستعرف كل هذه المجازر و الحروب؟ و هل كانت ستشن المكائد و يقتل ضحايا أبرياء للوصول إلى السلطة و الحكم؟ و لو وجدت أحزاب، كيف كان سيكون شكلها؟ و على ماذا كانت ستركز برامجها؟ و ما هي الإشكاليات و المشاكل التي كانت ستعاني منها الكرة الارضية؟

قطعا المرأة مختلفة عن الرجل في الأفكار و في الأولويات. فما يعتبره الرجل مسألة حياة أو موت قد تعتبرها المرأة قضايا ثانوية. و ما يعتبره الرجل قضايا ثانوية قد تعتبرها المرأة من الأولويات.

و لكن اختلافهما لا يعني مطلقا أن أحدهما أحسن من الأخر. فبين رجل و رجل يوجد اختلاف، و بين امرأة و امرأة يوجد اختلاف. فمن الطبيعي أن يوجد اختلاف بين المرأة و الرجل. فالله سبحانه و تعالى خلق الكون بالاختلاف. فلا يوجد مخلوق أو شيء يشبه الاخر تماما. و هذا الاختلاف أراد به الله سبحانه أن نتدبر في عظمته اللامحدودة. فالله سبحانه و تعالى خلق المرأة و الرجل مختلفان ليس ليحتقر أحدهما الأخر لأنهما نتاج نفس الخالق الواحد الأحد.

و لهذا معظم الخطابات حول المرأة و الرجل لم أكن أهتم بها. لأنني لم أشعر في حياتي بنقص أو بفخر لأنني امرأة. فحتى و هم يتحدثون عن ولوج المرأة إلى السياسة، كنت أقول في نفسي و هل الرجل يمارس السياسة فعلا؟ اللهم إذا افترضنا أن حضور المؤتمرات و التصفيق على القيادات و الانبطاح للتعليمات الفوقية ممارسات سياسية. و بالمقابل كانت تبدو لي بعض النساء و خاصة ياسمينة بادو و فاطمة الزهراء المنصوري و مريم بنصالح يتفوقن بمراحل على كثير من الرجال.

فالمغرب في السنوات القادمة قد يعرف طفرة مجتمعية نوعية، لأن مع بداية دستور جديد أكثر انفتاحا، و مع بداية أولى خطوات نحو الديمقراطية الفعلية، علت أصوات تطالب بحضور المرأة في المجال السياسي. و هذا يعني أن الرجل و المرأة سيسيران جنبا إلى جنب خطوة خطوة و من أول الطريق، و هذا لا يمكنه إلا أن يخلق مجتمعا متوازنا. 

و حتى و نحن نتحدث عن العنف ضد المرأة، فالرجل هو الأخر يعيش عنفا أقسى و أمر و خاصة في الأحياء الشعبية حيث تصبح لغة السيوف و الخناجر هي السائدة. 

و عندما نتحدث عن الاستغلال الجنسي للمرأة، فإن الرجال في ظل ظاهرة الشذوذ الجنسي يتم استغلالهم أيضا. بل يوجد رجال يقدمن خدماتهم الجنسية للنساء الثريات مقابل المال كما تفعل بعض النساء مع الأثرياء.

 إلى حدود اليوم، كان يبدو لي الرجل و المرأة توحدهما نفس المعاناة من فقر روحي و مادي. و لكن قضية سمية خلدون التي خطبها الشوباني، جعلتني أشعر لأول مرة معنى أن تكون امرأة في مجتمع برأسين.

فبعض الأحزاب التي تدعي  العلمانية و تطالب بتحرر و مساواة المرأة لا تجد حرجا في استغلال صورة شكل المرأة لإنجاح حملتهم الانتخابية، و لا يجدن حرجا في التفاخر بقدرتهم على استقطاب ملكات الجمال إلى أحزابهم و كأن المرأة تختزل في الجمال حتى و هي تقتحم ميدان السياسة و النضال

و كثير من الرجال يخونون زوجاتهم باستمرار، و كثير من القادة السياسيين الرجال يستغلون مناصبهم لإغواء و إغراء النساء و لا أحد يحاسبهم أو يهاجمهم.

و لكن عندما أحبت  سمية خلدون و الله أعلم ، كل الصحف هاجمتها، و الفايسبوك  امتلأ بصورهما، و اسم سمية خلدون أضحى متبوعا برقم 53 سنة. كأن امرأة بعمر سمية خلدون ليس من حقها أن تحب و ليس من حقها أن تختار سعادتها.

لو نظرنا إلى الأمور من زاوية محايدة و عقلانية، سنكتشف أن سمية خلدون بحجابها و ابتسامتها الهادئة الخجول هي أكثر تحررا من نساء كثيرات يدعين الحداثة و التحرر.

فهي لم تعتبر أن سنها عائقا أمامها لتحب و لتبدأ حياتها العاطفية من جديد، و هي نقطة تحسب لها. كما أن طليقها دافع عنها و عن أخلاقها و هذا يظهر مدى تحضر الطرفين. كما أن الشوباني تقدم إلى خطبتها، و هي نقطة تحسب للطرفين لو كان المجتمع لا يرى برأسين. فكيف نسمح للرجل بأن يخون زوجته باستمرار و أن يستغل نساء أخريات غير زوجته لإشباع رغباته الجنسية و في نفس الوقت  لا نسمح له بأن يتزوج بأخرى؟

 

 

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة