المؤسسة السجنية بين العقاب وإعادة الإدماج
عبدالعالي طاشة
إن الحفاظ على المجتمع من أذى الأفراد تجاهه ، وكذا ضمان استقراره وإستمراره ، لهو من أولويات القانون ، ومن الحلول المجمع عليها ، وضع مرتكبي الجرائم في السجون ، إبتداءً من أداء ضريبة الجرم والمعاقبة عليه بحرمان السجين من الحرية ، مروراً بالإيلاء أي ضمان المعاملة والرعاية الحسنة ، وصولاً إلى إعادة الدمج داخل النسيج الإجتماعي من جديد ، المتمثلة في الإصلاح والتهذيب والتأهيل ، وفق التوجيهات السامية لصاحب الجلال الملك محمد السادس نصره الله، والمبادئ الدنيا المعترف بها من طرف الأمم المتحدة .
لكن الحفاظ على سلامة المجتمع لايجب أن يقتصر على الدور الإصلاحي للمؤسسات السجنية لوحدها ،لأنه من الإستحالة بمكان الإعتماد على الفضاء السجني لإصلاح مالم يستطع المجتمع إصلاحه . لإن المسؤولية مشتركة بين الأسرة والشارع والإعلام وكل وسائل التواصل التي تعرفها مجتمعاتنا ، حيت أن السجن رغم خصوصياته إلى أنه لا يخلو أن يكون جزءًا من الفضاء المجتمعي الذي يوجد فيه ، إن لم نعتبره وليداً لهذا الفضاء .
ومع ذلك فلا يجب أن يفهم اليأس مما سبق ذكره من المؤسسة السجنية ودورها الإصلاحي ، فمادامت المجتمعات مجمعة على ضرورة إيجاد مؤسسة السجن إلا وتطمع إلى الإعتماد عليها في مرحلة من المراحل .
الأكيد والمؤكد ، أن أغلب المؤسسات السجنية حتى تلك المتواجدة بالدول الديمقراطية والتي يسعى فيها الجميع إلى تحقيق الحقوق لكل المواطنين ، يلاحظ فيها المراقبون والمهتمون بالشأن السجني ، أن السجن لا يصلح إلا لمعاقبة السجين بحرمانه من الحرية.
فهل يمكن للسجن أن يكون له دور إصلاحي ؟
وهل العقوبة السجنية لوحدها كافية ؟ هذا
ماسنحاول الإجابة عليه في هذا المقال المتواضع
مما لاشك فيه هو صعوبة الحديث عن الدور الإصلاحي للسجن ، بل قد يكون الأمر أشبه باللغو إذا ما حاولنا طرحة دون الأخد بعين الإعتبار الدور الإصلاحي للمجتمع بكل تجلياته ومكوناته ، حيث أن الأساليب المستهدفة والمطبقة داخل السجون غرضها الإصلاح والتهذيب والتاهيل وعلاج المنحرفين ، وقد إستقر الرأي العام عند علماء العقاب ، على أن غرض العقوبة السالبة للحرية ينبغي أن يهدف فقط إلى سلب حرية الفرد بإيداعه السجن ، أما الغرض الحقيقي والأصيل للمعاملة التعاقبية فهو التهذيب والتأهيل والتقويم والإصلاح ، وهذا هو الشق الأول والمهم والغاية المنشودة من إحداث وتواجد المؤسسات السجنية .
ومنه فالمغرب يسعى حالياً تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة إلى تطوير تجربته الرائدة على مستوى الوطن العربي في إعادة دمج السجناء مهنيا وإجتماعياً بعد خروجهم من السجن ، وذلك من خلال التركيز على التربية وتلقي المهارات الأساسية في بعض المهن التي يطلبها سوق الشغل بالمجتمع المغربي ، هذا ويرى المراقبون المغاربة من المهتمين بالشأن السجني أنه من دعامات وأساسيات انجاح تجربة إعادة دمج السجناء في المجتمع ضرورة تمتعهم بكل اليات التعلم والتدريب ، وبمختلف الوسائل التعليمية والتربوية ، فضلاً عن أسلوب التواصل الذي يلزم السلطات السجنية بالتحلي لوضع التجربة في طريقها الصحيح .
أما عن مدى فعالية العقوبة السجنية لوحدها ، وهي الشق الثاني من تواجد المؤسسة السجنية ، فيمكن أن نقول بأن الحفاظ المجتمع من الأعمال والأفعال الجرمية لا يجب أن يمر عن طريق المعاقبة السجنية كما هي قائمة الأن في مختلف الدول ، وما قد يترتب عليها من عنف وإستبزاز وتعامل سلبي مع كل الإنحرافات لإن في هذه الحالة أبداً لن تكون العقوبة السجنية مجدية البتة إلا إذا تم الوقوف على أمرين اساسيين .
الأول ، الإعتناء بالسجن كإنسان مهما كان جرمه ، دون نسيان أن هذا السجين هو ربما كان ضحية الفقر، أو إنعدام التمدرس،أو غياب فرص الشغل ، أو تشتت الأسرة ....كل هذا يمثل كوكتيل نموذجي كما يعتبر القاسم المشترك والخيط الناظم بين أغلب نزلاء السجون ، في حين أن الزج بالسجن داخل الفضاء السجني ، انذاك يصبح أمانة عندها وكلت إليها من طرف العدالة ، هذا بالنسبة للذي تبث حكمه وحوكم عليه ، أما الأمر الثاني فهو بخصوص الإعتقال الإحتياطي ، يجب التذكير أن المعتقل إحتياطياً بريء ويجب التعامل معه على هذا الأساس ، إن لم نقل أن العدالة وجب عليها تفادي اعتقاله مالم يكن وجوده يشكل خطراً على المجتمع .
ختاماً ، لقد إنتهى الزمن الذي كانت فيه السجون وسيلة لإستعباد بين الأعمال الشاقة و العقاب الجسدي ، فالمجتمع الذي يصبو إلى الإصلاح لا محيد له من اللجوء إلى الأساليب الحضارية والإنسانية ، كما لابد من إعادة الإعتبار للدور الإصلاحي للمؤسسة السجنية وإلا ستكون كلفة سجن الفرد الواحد ما قد تحتاجه بعض الأسر .
