وزارة "الحبس" والطرقية والبدع والضلالات

وزارة "الحبس" والطرقية والبدع والضلالات

سعيد المودني

 

تعتمد الأنظمة الشمولية اللاديمقراطية اللاشعبيةاللاوطنيةالمتسلطة في كل الدول المتخلفة، تعتمد في بقائها على دعم مافيا الخارج وعصابات الداخل،العصابات التيتُعتبر أجهزة الداخلية والجيش والإعلام والمالية أعمدتها الرافعة الحامية الضامنة،لذلك فهي تعاملهامعاملة تفضيلية خاصة، لأنها تحقق لها كبح جماح المجتمع وإخضاعه وضبطه وتأطيره، من جهة، وتؤمّن لها موارد "الدولة"، من جهة أخرى!!!

غير أنهفي الدول "الإسلامية" تضاف إلى هذه الأجهزة "السيادية"المتغولة فوق العادة، تضاف إليها وزارات الأوقاف والشؤون "الإسلامية"، والتي يعتبر وجودها -على مستويي المفهوم والتصور- غير مستساغ، ذلك لوجودهافي بلدان مفترض في كل "شؤونها" السياسية والاقتصادية والعلمية والاجتماعية... أن تكون إسلامية!!..نعم يمكن أن نوجِد وزارة خاصة بالعبادات أو الشعائر، كلها، أو جزء منها،مثلا،، أما الشؤون فكلها إسلامية، المادي الكوني منها، والمعنوي الشرعي، لأن أي فعل في أي مجال لا يخرج عن أحكام الشرع الخمسة، وبالتالي فهو مشمول بالضوابط [الإسلامية]..

وعلى المستوى العملي،يكاد يختص  دور هذه الوزارات بـ"السمسرة" في تنظيم عمليات الحج وتحجيم عدد نساكه، كما تقتصر "غيرتها" على الدينعلى الحرص على مراقبة استهلال أهلة رمضان وشوال وذي الحجة، في حرص شديد على إظهار "الاستقلال التام"، فيما تعلق بابتداء شعائر الصيام والعيدين، في كل كيان مارد مارق، تكريسالأقصى درجات الانفصال والفرقة، وتغييبالأي مظهر من مظاهر وحدة الأمة، ولو فقط على المستوى الشكلي..

إلا أن دورها قد تطور في المغرب وتوسع في السنوات الأخيرة.. فبعدما اقتصر هذا الدور لعقود طويلة -كما سبق- على السمسرة في الحج، ومراقبة الأهلة، وجمع أموال حبوس المحلات والأراضي والعقارات... دون إنفاق معتبر، ها هي اليوم تذر الرماد في العيون بنفقات مهملة،مشتتة على أكبر عدد ممكن من "المنتسبين"، سواء كـ"موظفين" في المساجد، أو مريدين في الزوايا. هذا من جانب، ومن جانب آخر، فقد تحولت لمعهد يخرّج "الشكامة"، أو شيوخ ومقدَّمي "المساجد" المسمين زورا بـ"المرشدين الدينيين"،قصد تصديرهم ليحصوا على المصلين والأئمة والخطباء أنفاسهم في الداخل والخارج،كي يجبروهم على تمثيل النظام كمتدخل وحيد باسم الدين في السياسة،فيكونونناطقين رسميين باسمه من على المنابر، في مناسبات "الأعياد" الوطنية، والدخول المدرسي...ويكرروا-بالتالي- تقديم مكون التربية الوطنية، الذي قد يقصّر في تبليغ محتواه رجال التعليم في المؤسسات التعليمية.. كما يمكن الوزارة الوصية أن تلزم أولئك الخطباء أن يوسعوا حيز تدخلهم، ليشمل المجال الطبي والحرص على صحة المواطنين النفسية والجسدية، مثلا، فيبرزون، على سبيل المثال، أهمية الرضاعة الطبيعية في حفظ صحة النشء!!..

ودون الغوص في تدقيق وتحقيق وتوثيق ما سبق، والتوسع في تأصيله، يهمني هنا الاقتصار على ملاحظة وتأمل جانب بسيط وجزئية صغيرة من جوانب فقه العبادات، وبالأخص فقه الصلاة، وما تعلق فيه بدور الوزارة في ترسيخ طقوس معينة في ممارسات المصلين وسلوكياتهم الفردية والجماعية قبل، وأثناء، وبعد الصلاة..

فوزارة الأوقاف المغربية ترغم رواد المساجد على ارتكاب عدة بدع(خاصة المساجد التي تتولى النظارة تدبير شؤونها)!!! إما عن طريق المراسلات الرسمية، أو التوجيهات الشفوية، أو عبر فرض "قدوة" نتيجةتكرار نموذج سلوكي معين أمام المقتدين في كل الممارسات والمحافل، قصد الترسيخ الضمني، خاصة لدى العوام، في إطار استراتيجية كرر الخطأ، حتى يتطبع الناس معه ويحسبونه صوابا..

- فهي ترغم الأئمة على القيام بختم جماعي("رفع الفاتْحة") عقب الصلوات الخمس المفروضة، فقط لاحتوائها("الفاتْحة") على "الدعاء المأثور" المقصود منها، رغم أن هذا الفعل(الختم الجماعي) ليس من الصلاة في شيء، ولم يرد ختم جماعي للصلاة..فالصلاة تحريمها التكبير وتحليلها السلام، أما ما عدا ذلك، فهي معقبات وأذكار وأدعية سرية فردية، يأتي كل مصلّ منها ما استطاع؛

- وهي أيضا ترغم "المسمّع" على ترديد التكبير والحمدلة والتسليم، رغم أنه يقف خلف الإمام مباشرة(هو من يقيم الصلاة)، ورغم انحصار عدد المصلين في المسجد بحيث يسمعون كل ما يجهر به الإمام، ورغم أنه في كثير من الأحيان يكون الإمام حاملا لمكبر الصوت(دون "المسمع"!!)!!

وجدير بالذكر أن التكبير جهرا في الصلاة السرية لثلاث مرات فما فوق -حسب بعض الفقهاء- يعتبر زيادة في الصلاة، تُجبر بالسجود البعدي، اللهم إذا كان ضرورة لتمكين المصلين البعيدين من تتبع حركات الإمام، لضعف في صوته، وغياب المكبر، ورحابة المسجد، وكثرة المصلين... وآنذاك لا يقوم بالتسميع من يجاور الإمام، فلا فائدة، بل يقوم بالعملية من يكون حلقة وصل بين الإمام والمصلين البعيدين.فقد يتعدد المسمّعون في اتجاهات مختلفة.. لأن الأمر ضرورة وظيفية، وليس طقسا شكليا؛

- وهي ترغم أيضا على رواية حديث الحث على الإنصات إلى خطبة الجمعة، بصيغتهالمحددة، قبل البدء في خطبة كل صلاة جمعة، في تطقيس شكلي إضافي لا يؤدي أي دور في تنبيه المصلينإلى ضرورة الإنصات للخطبة(خصوصا وأن غالبيتهم يرِدون على المسجد بعد تلك "الرواية").بل يمكن تحقيق ذلك الهدف بتدخل الخطيب مباشرة عندما يرى ضرورة لذلك(وقد مُكن من عصا للتنبيه)، ومن باب أولى بالرقي بمضمون الخطبة، ومخاطبة وجدان الناس،والتعرض لمعيشهم ومظالمهمومظلومياتهمفوق هذا الكوكب؛

- كما أنها ترغم على قراءة "حزب الجمعة"، وحزبي الصباح والمساء(مع الاعتراف أنه بالنسبة لقراءة حزبي الصباح والمساء فيها عدة فوائد،كمساعدة الحفّاظ على استذكار ما بصدورهم من الذكر الحكيم بشكل مبرمج وقار ودوري، وتعليم قواعد الترتيل بالسماع لمن لا يضبطها، وتمكين الأميين من سماع ما تيسر من القرآن الكريم، ومساعدة الملتزمين على القيام بأورادهم اليومية)..

وجل هذه "الإلزامات"، هي من جهة بدع ما أنزل الله بها من سلطان، ومن جهة أخرى، فإن الثابت أن وزارتنا لا تقوم بها من منطلق الحرص على الدين، فللدين مجالات معيشية أهم، كان الأولى الحرص عليها، وإنما هي تقوم بذلك من منطلق تحصين "الخصوصية/الفرقة" الذي تجسده القطرية ويفرضه تحالف عملاء الداخل المتسلطين مع قوى التحكم الخارجي المتغطرسة، وكذا بغرض تفريغالعبادات من مضمونها، وإحالتها طقوسا شكلية،لا روح فيها، ولا دور تؤديه، ولا هدف تحققه.. فإذا ما التقت هذه الأهداف الاستراتيجية العليا، مع فقر/جشع "المرتزقين" من المساجد، فإن البدع السالف عرضها(وغيرها كثير)،تصبح من "ثوابت" الدين!!!

هذا على مستوى البدع المكرسة في المزاولة العملية المقصود ترسيخها في ممارسات "رواد المساجد".. أما فيما يخص مصائب الخطباء "المعلبين"، فإضافة إلى الكذب والنفاق وشهادة الزور الضالعين فيها بامتياز عمليا في كل جمعة، فقد أصبحوا يقدمون بين الحين والآخر نكتا مضحكة، منها أن خطباءنا يجدّون -جزاهم الله- موسميا ويكدون ويبذلون قصارى جهدهم في دعوة الناس إلى أداء ركن الإسلام الخامس، الحج إلى بيت الله الحرام. ويستفيضون في إظهار حسنات ذلك ويجيدون،،غير أنهم لا يذكرون أن "سماسرة الدين" قد أوصلوا تكلفة ركن الإسلام إلى خمسة ملايين(مقابل تكلفة زهيدة بالنسبة للمغاربة المقيمين في أوربا مثلا)، في بلد عتبة الفقر فيه لا يحسده عليها حاسد. كما لا يذكرون أن محتلي بقاع موطن شعائر الحج قد قزموا نسبة الراغبين فيه إلى رقم قابل للإهمال بالمقارنة مع عدد المسلمين، إلى درجة أن الناس تقارعوا على حظ الظفر بفرصة وتساهموا مرات عديدة دون نصيب، حتى تملكهم اليأس..

وتذكّر هذهالنكتة(الترغيب في الحج مع التعجيز عنه)بدورية كان قد عممها وزير التربية الوطنية والتكوين المهني على مسؤولي الوزارة في الجهات والأقاليم قصد تشجيع التلاميذ على استهلاك المنتوجات البحرية!!! وكأن المغاربة قد عافوا غلال البحر وفواكهه، أو زهدوا فيها، أو قاطعوها، أو أضربوا عنها،،، وكيلو غرام سردين(أرخص أنواع السمك) يداعب العشرين درهما بهامش إفراط أو تفريط مقداره خمسة دراهم!!!

كما تعيد التذكير بالحادثة المنسوبة إلى أحد ملوك فرنسا قبل الثورة حول احتجاج الناس في الشوارع والساحات، فلما سأل عن السبب وأجيبَ أنه بسبب الجوع، أمر حاشيته أن توجه الناس لأكل الحلوى التي يأكلها الملك منزوعة القشور، أن يأكلها الشعب بقشورها، كيما يشبع!!

إن عبقرية خطبائناواجتهادهم وجرأتهم وصدقهم وورعهم... تظهر في كل حرف من كل كلمة من كل جملة من كل خطبة يلقونها.. كفاهم فخرا أنهميبذلون قصارى جهدهمفي الحديث عن حق الأم وبيانه والتذكير به،، ويخرسون عن مجرد الإشارة إلى حقوق الأمة، أم الأم!!!

 

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة