أحكام الإعدام في مصر .. بين إعدام السياسيين و إعدام السياسة

أحكام الإعدام في مصر .. بين إعدام السياسيين و إعدام السياسة

ادريس جنداري

 

  ما يبدو واضحا هو أن النظام العسكري الانقلابي في مصر قد أصبح يخبط خبط عشواء، و هذا يعني أن أصحاب القرار العسكري –و ليس السياسي- قد فقدوا أي إحساس بالمسؤولية تجاه الوطن و الشعب في مصر، و كأنهم يصرخون بأعلى أصواتهم : علينا و على أعدائنا !!! لماذا نقول هذا؟ 

أولا لأن هناك متغيرات إقليمية كثيرة تسير في الاتجاه المضاد لتوجهات النظام العسكري، و من بينها تغير أولويات مجلس التعاون الخليجي، من محاربة المد الإخواني في موطنه المصري و في انتشاره الخليجي، إلى الإعلان غير المباشر عن هدنة مع الإخوان، و ذلك لتوحيد الجهود في مواجهة الميليشيات الشيعية، التي أصبحت تهدد الأمن الخليجي بدعم واضح من إيران. و قد ذهب الخليجيون أبعد من ذلك حينما أوقفوا تعاونهم مع الولايات المتحدة الأمريكية في مواجهة حركة داعش في العراق و سوريا، و ذلك ضمن تصور جديد تغيرت فيه الأولويات . 

ثانيا لأن هناك متغيرات داخلية متسارعة لا تصب في مصلحة الانقلاب، لأن الأمر يتعلق بتغير جذري في اتجاهات الرأي العام المصري، و هذا ينعكس على مستوى الخطاب الإعلامي الذي يعيش على وقع تحول متسارع الخطى، حيث أصبح الكثير من رموز الإعلام يعبرون، بشكل صريح، عن تذمرهم من الحصيلة المتواضعة جدا للنظام الانقلابي، كما أصبح ينعكس على مستوى الخطاب السياسي الذي تقوده رموز سياسية محترمة جدا، من الاتجاهات الليبرالية و اليسارية قبل الإسلامية، و نفس الأمر ينطبق على الخطاب المدني الذي تقوده رموز شبابية أدت ضريبة باهظة الثمن نتيجة دعمها للشرعية الانتخابية . 

     إذا أضفنا المتغيرات الداخلية إلى مثيلتها الخارجية، يمكن أن نستوعب جيدا حجم التحديات التي تواجه النظم الانقلابي، و هي تحديات تفوق كثيرا تلك التي واجهت النظام المنتخب من قبل، و لعل مجموع هذه التحديات لتمثل مؤشرا دالا على قوة الرجة التي يعيش عليها رموز الانقلاب، و هم يعيشون أيامهم الأخيرة بعدما نفذ رصيدهم المخابراتي في المكر و الخداع. فقد تمكنوا، لأشهر معدودة، من خداع بعض الناس، لكنهم بالتأكيد لن يستطيعوا خداع كل الناس كل الوقت، و إلا لتمكنت الأنظمة الانقلابية العسكرية، السابقة عليهم في المنطقة، من الاستمرار في خديعتها الكبرى !!!

    إن النظام الانقلابي، اليوم، و هو يوقع على مجزرة (قانونية) بعدما نفذ من قبل عدة مجازر دموية، لا يعبر عن قوة و تماسك، بل إنه يصرح بالمباشر أنه فقد كل المقومات السياسية التي يمكنها أن تحقق استمراريته، سواء على المستوى الداخلي أو على المستوى الخارجي، و لذلك فإنه يلعب لعبة الأسد الجريح الذي يداهم كل ما يعترض طريقه من حجر و شجر و بشر ، قبل أن يستسلم لمصيره التراجيدي المحسوم .  

    لكن الضريبة باهظة الثمن ستؤديها مصر، و معها المنطقة العربية، من أمنها و استقرارها لأن جماعة الإخوان المسلمين، التي تمثل الخط الإسلامي المعتدل، كانت تمثل رهانا منتظرا لتحقيق اختراق داخل الفكر السلفي الجهادي بغية تهميشه، و من ثم تهميش منهجيته في توظيف النص الديني لصناعة منظومة التطرف و الإرهاب, و ذلك من خلال فتح المجال أمام تصور إسلامي بديل يمكنه أن يستجيب للتحديات المفروضة على العالم العربي. 

    لقد كان هذا الرهان ممكن التحقق لو نجحت المنهجية السياسية في قيادة الصراع، و ذلك ما حدث مع نماذج إسلامية معتدلة، في إندونيسيا و تركيا مثلا، حيث تمكنت التجربة الإسلامية من استيعاب المنهجية السياسية الحديثة، و عملت على تبيئتها في ضوء النص الديني و التجربة السياسية الإسلامية، و قد نتج عن ذلك تصور إسلامي حركي جديد أطلق عليه الباحث الأمريكي (Alexander R. Arifianto) اسم الإسلام التقدمي progressive islam  باعتبارها محاولة للجمع بين تعاليم الإسلام الأساسية (القرآن الكريم، الحديث الشريف، والفقه الإسلامي) وبين الأفكار المستمدة من النظرية الليبرالية الغربية مثل (الديمقراطية وحقوق الإنسان والحرية والتعددية الدينية. و هو نموذج استطاع تحقيق معادلة صعبة جدا، من خلال ارتباطه بجذوره الثقافية و الدينية من جهة، و انفتاحه على المستجدات الفكرية و السياسية المعاصرة من جهة أخرى. 

      لكن هذا الرهان يبدو خاسرا، اليوم، مع توجه النظام الانقلابي إلى تدشين مرحلة جديدة في صراعه مع الإسلاميين المعتدلين، فهو ينهي مرحلة تميزت باستعداد الإسلاميين إلى تدشين عهد جديد يوظف الآليات السياسية في الصراع، و يدشن في المقابل لمرحلة جديدة لا تبدو معالمها واضحة لحدود الآن لكنها، بالتأكيد، ستكون مفتوحة على المجهول، لأن الدعوات تتعالى من إيران داعية الإسلاميين إلى اعتماد منهجية ولاية الفقيه كآلية في الصراع ( نموذج حزب الله و النموذج الحوثي)، و تتعالى من أفغانستان و سوريا و العراق داعية الإسلاميين المعتدلين إلى اعتماد النموذج الجهادي في مواجهة (الطغاة).

    و لعل التجارب السابقة لتؤكد أن مصر، و معها العالم العربي، ستعيش على وقع صدامات عنيفة، و هذه دروس تقدمها تجربة جمال عبد الناصر الذي جر ب نموذج مطاردة الساحرات في تعامله مع جماعة الإخوان المسلمين، لكنه لم ينجح في تحجيمها حتى فما بالك القضاء عليها ! لكن على العكس من ذلك، انتشر الفكر السلفي الجهادي، وعاشت مصر مرحلة من العنف و العنف المضاد أدت إلى التضحية برأس النظام اللاحق ( أنور السادات) الذي ذهب ضحية التطرف الجهادي. 

    إن الإعدامات التي تحكم بها (المحاكم) المصرية على مجموعة من أعضاء جماعة الإخوان ليست تقليدا جديدا يدشنه النظام الانقلابي الحالي، بل إن ذلك يدخل ضمن استراتيجية بعيدة المدى قادت النظام العسكري( بتلاوينه المختلفة) منذ المرحلة الناصرية و إلى حدود اليوم مع السيسي الذي يعتبر وريث المؤسسة العسكرية الانقلابية، و ضمن هذا السياق يمكن استحضار الإعدامات السابقة التي نفذتها السلطات المصرية في حق الكثير من رموز جماعة الإخوان المسلمين، و أشهرها إعدام سيد قطب، لكنها لم تؤد إلى إنهاء مسار الجماعة، بل ساهمت في تحقيق انتشارها، وطنيا و إقليميا، بشكل أكبر و أوسع. 

     إن ما يمبز الأنظمة العسكرية في العالم كله و على مر التاريخ، هو تعاملها مع المجال السياسي مثل ساحة معركة، حيث تعتبر كل المعارضين بمثابة أعداء يجب قصفهم بالمدافع و ذلك بهدف حسم المعركة بالضربة القضية. و بما أن المجال السياسي يمتلك خصوصيته المدنية القائمة على أساس التفاوض و الحوار و الاحتكام للمؤسسات الديمقراطية، فإن الأنظمة العسكرية لا تعترف بكل هذه القيم السياسية، و تسعى في المقابل إلى جر معارضيها إلى ساحة الحرب التي تتقن قواعدها، و في آخر المطاف تجد هذه لأنظمة نفسها في مواجهة كل أطياف الشعب، و عندما تجرب قصف الجميع يفقد السلاح وظفته و قيمته، و يصبح العنف عملة مشاعة بين الجميع، و هكذا تتحول التيارات السياسية و المدنية إلى فيالق عسكرية، و تندلع حرب الجميع ضد الجميع معلنة عن إفلاس الدولة و المجتمع و العودة إلى عصر لمشاع.

   هذا السيناريو لا علاقة له بمجال الخيال، بل إنه جزء من الواقع السياسي في مجموعة من التجارب الدولية التي قادتها أنظمة عسكرية، و هي تجارب متشابهة إلى أقصى الحدود، حيث يتصارع الجنرالات باسم السياسة –البريئة منهم- و يقتل بعضهم البعض مضحين بمصالح شعوبهم على المستوى الديمقراطي و التنموي. لكن هذه الأنظمة لا تستمر عادة، لوقت طويل، فإما تدخل في صراع داخلي ينخرها من الداخل فتتحول إلى أنظمة صورية تقود دولا فاشلة، و إما تقوم ضدها ثورات شعبية مسلحة تعتمد نفس آلياتها الحربية و تنهي مسارها.   

 

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة