يوميات معطل في بلاد الكيف
خالد العمراني
اشتريت سيارة من نوع RENAULT 12 سنة 2000 .
كنت فخورا بها و محبا لها رغم أنها كانت تقاوم أجلها المحتوم.لقد كانت تريد أن تموت, وأنا احرص أن تظل حية بجانبي لأنها سيارتي أهش بها على أعمالي و لي فيها مآرب أخرى. كانت ترفض أن تكون زوجتي و تعتبرني فقط عشيقها; لكني كنت عشيقها و أريد ألا تصاب بالعطب كي لا يتلقفها ذلك الميكانيكي الذي لا يرحم, و من شدة و لعي بها صبغتها باللون الأزرق, لون السماء و الطموح و النظر إلى الأعلى, قال لي البعض : انك تركب إبريق طهي القهوة ذو اللون الأزرق, مع ذلك فقد كنت راضيا مرضيا عنها و عن لونها .وهكذا مرت الأيام, و أجزاء سيارتي تتهالك رويدا رويدا,وأنا عليها مصلح بما ملكت يداي, حتى صرت انفق عليها أكثر مما انفق على نفسي, فقد صارت ألبستي بالية كالأسمال بسبب أني بين مطرقة الطبيعة القاسية, و البطالة بعد إجازة و دبلوم, و سندان السيارة الهادرة لما املك.
كلما كنت اشغل سيارتي بمفتاح التشغيل كان قلبي يدق في انتظار سماع هدير المحرك, خشية أن احتاج لدفعات الآخرين ; أما إذا سرت بها و سمعت صوتا لم أعهده من قبل ولم أعرف ما سببه, حينئذ أدور بقريتنا بين الميكانيكي و الكهربائي, هذا يقول لي إن العطب من الكهرباء, و ذاك يقول انه من المحرك, و أنا بين هذا و ذاك مقطع إربا , أقف إلى جانبهم, افترش الأرض تحتها مقلدا إياهم, فلا أرى عطبا و لا هم يحزنون; حتى يأتي الفرج, ولو بالصدفة. فلم أرى تخلفا في إصلاح السيارات كما رأيت بقريتي, لقد حفظت أسماء قطع غيار سيارتي وعلمت ما دورها و ما سبب وجودها, فلماذا كنتُ حريصا على سيارتي المتواضعة?
الجواب ببساطة: فقط, لأني في بلدة لن ترتفع مكانتك الاجتماعية إلا بدابتك, فمن حضر إلى حفل الزفاف بسيارة المرسيدس الجميلة والأنيقة فهو أنيق و جميل, و من حضر بسيارة أقل رونقا فهو إلى رونقه يصبو, و من حضر بسيارة مثل سيارتي فهو يزيد في استعراض أعداد السيارات حين يعد أهل العروس أو العريس أعداد المشاركين (إنها تدخل في قاموس الإحصاء لا غير), و من جاء ببغلته و بلغته فمكانه عند الله, و من جاء على رجليه بنعليه فهو كومبارس المشهد و الحفل. و هكذا يحدث التصنيف, فأصحاب السيارات الفاخرات في صالونات فاخرات, وأصحاب السيارات الوضيعات و الدواب فعلى الكراسي يجلسون, وأصحاب الأقدام تحت الأشجار يتواضعون, ومنها ينهضون بعد التفرغ من الأكل, وهم ينفضون جلابيبهم من التبن و القش بعد أن قضوا مآربهم البطنية (بمعنى الأكل), إنهم تمثيليات غير معتمدة, أما التمثيليات المعتمدة فقد أدت قبل المأدبة غرامة وهي معاونة تؤدى من كل حسب طاقته ولكل حسب حاجته في تلبيس للشيوعية السوفياتية الستالينية . وفي جانب آخر من دار أهل العريس ترى صورة الحياة الدنيا من لعب و لهو وتكاثر في الأموال و الأولاد يرددها فقيه جامع قريتنا في موعظته بعد أن يُقعد بين التمثيليات المعتمدة.
هكذا كانت تمر الأيام هناك بقريتي بأفراحها و أتراحها. كانت الثنائيات هي فقط ولا غير سواها من يصنف الناس, ثنائية من يملك و من لا يملك, ثنائية من يؤدي و من يطلب, ثنائية من يشتري و من يبيع.
وكانت لي قصة مع سيارتي, ففي احد أعراس قريتي, وأنا ذلك الشاب الذي يملك السيارة و لا يعلم سوى الله حقيقتها , قيل لي: إن أربع بنات سوف يركبن بسيارتك, ففرحت لذلك, و كيف لا وأنا ذلك الشاب الذي يبحث عن حواء , و هي ذلك الكائن المحبوب بالنسبة لي, وحين أكلمهن أثرثر وأرفع قهقهاتي لأجل سماع قهقهاتهن, و كي أحضا بتنويههن, فهذا يكفيني و يدخل بقلبي السرور و الحبور, وهكذا استجاب لي المحرك, و اشتغلت السيارة, وركبن هؤلاء الأربع فتيات السمان منهن والعجاف, وتحركنا جميعا مع الركب. لكن و ما إن بدأت السيارة تسير فوق طريق يعلو حتى توقف المحرك, فتجمد الدم في عروقي, و نزلت منها بلباسي الجميل وبربطة عنقي الأجمل وأنا أتحسر وأحس بحرقة ما بعدها حرقة, حرقة الخذلان وغدر الآلة ,هكذا أصبح موكب سيارات العرس يلقي علي السلام حتى توقف بجانبي أحد الأشخاص المصنفين ممتطيا سيارته الجميلة فقال: ما العمل يا صاح? قلت له: خذ معك هؤلاء البنات, حينئذ نزلن بفساتينهن (تكشيطاتهن), و أحذيتهن المرتفعة بينما بقيت إلى جانب سيارتي .
اجتمع حولي الأطفال, و بدأنا في دفعها من اجل أن يتحرك المحرك; لكنه هذه المرة قد توقف دورانه في قلبي قبل أن يتوقف على الأرض, و قلت لها ما قاله الخضر لسيدنا موسى عليه السلام : هذا فراق بيني و بينك
