بين الاستعمار والاستبداد
سعيد المودني
الكل يجرم الاستعمار ويمقته ويحتقره، وكل القوانين الدولية والوطنية تشرع مقاومته ومكافحته ومناهضته بكل السبل بما ذلك العسكرية، دفاعا مشروعا عن النفس والأهل والشعب والأرض والقيم... باختصار: عن الوطن المحتل..
لكن ما هو الاستعمار؟ أليس من محدداته تولي سلطة تسيير شأن بلد دون تفويض من السكان، أي مسك مفاصل البلد ودواليبه ومؤسساته،وإخضاع شعبه بقوة الحديد والنار، بغض النظر عن اشتراك تلك السلطة وأولئك السكان في الدين، أو اللغة، أو العرق... أو بعض منها، أو كلها، بغض النظر عن اشتراكهم في ذلك من عدمه، وبغض النظر أيضا عن مستوى تحقيق العدالة بين أبناء البلد المحتل، وكذا عن مستوى تحقيق الرفاهية والتنمية وتقديم الخدمات، وكذا عن حصول تنفّع الحاكمين المستولين أو زهدهم في المصالح والطموحات الشخصية؟
وبهذا المعنى، ألا يكون كل حكام العرب محتلين لأوطان شعوبهم بالجانب السيء المطلق من التحديد السابق؟
فهم لا تفويض لهم بالحكم، ويُخضعون الشعوب بالقوة، ولا يحققون أدنى مستوى من العدالة أوالعدل لشعوبهم ولا بين أفراد شعوبهم، ولا ينجزون أدنى تنمية في البلاد التي يحتلونها، ولا يقدمون أية خدمات ذات بال للمواطنين، ولا يتورعون عن تحقيق مصالحهم، وقضاء حاجاتهم ومآربهم، وتقريب أهاليهم وأصدقائهم ومعارفهم وحاشيتهم وزبانيتهم، ونهب خيرات البلد، والتنكيل بأهله وإذلالهم والتضييق والوصاية عليهم...
إنه لا يمكن اختزال الفرق في جنسية الحكام التي يسمونها زورا بالوطنية، والتي تعوز غالبية زبانيتهم الذين يتمتعون بجنسيات دول حامية..
بل لا يستساغ النعت بالوطنية نظما استولت على الحكم بانقلاب، أو تزوير، أو مؤامرة وتواطؤ مكن الأقلية العرقية أو المذهبية أو الطائفية من التحكم في رقاب الأغلبية السكانية، أو تعاقد خرافي صوري لا أساس له في الواقع،،، ثم حمت وجودها بالقوة العسكرية المبيدة..!!..
إن هذه الظواهر ما هي في حقيقة الأمر إلا مظاهر للاحتلال وإن اختلفت جنسية الحاكم.. بل إن التطور الذي طرأ على "عِلم الاحتلال" قد نقل الإشراف المباشر من المحتل الأجنبي إلى العميل "الوطني"، تخلصا من كثير من الالتزامات والاستحقاقات والتكاليف والتبعات...
وعلى كل، إذا كانت العبرة بالخواتم،ومقياس الاعتراف والاحترام هو غياب السلطة -لأنه مع وجودهاتجرحهما شبهة الخوف- وإذا كان "القادة" لا يُنهون "حياتهم السلطوية" حتى بالتقاعد ليُرى كيف يعاملهم أفراد الشعب من حقارة وازدراء، فإن النموذج التمثيلي المتاح هو ملاحظة تعامل الناس مع بعض ممثلي السلطة كـ"القُواد" مثلا، كأنموذج مجسد للحاكم القائم بأمره..
فكما كان بالأمس القريب "قائد الاستعمار"الخائن يتوارى، هو وكل من ينتسب إليه من قريب أو بعيد، عن القوم الذين حكم فيهم تحت طائلة الخزي والاستهزاء، بل والانتقام، بعد زوال سلطته بفعل "الاستقلال"، فيغادر إلى المجهول داخل البلاد أو خارجها، ها هو "قائد الاستبداد"الظالم، ولنفس السبب، وتحت نفس الطائل،يتوارى من الناس بعدما تزول سلطته بداعي التقاعد أو الانتقال، مع أفضلية نسبية لقُواد الاستعمار، بسبب الاستقرار في المنصب جغرافيا(مما كان يجعل حالة العداء محصورة في البقعة التي وُلي فيها، والتي كان يمضي فيها كل "فترة حكمه"، عكس قُواد اليوم الذين يخضعون لتنقيل قسري دوري، مما يوسعمساحة التماس الظالم، ويضيق بالتالي المساحة الخالصة)، من جهة، وبسبب ضعف وسائل الاتصال والتواصل آنذاك، من جهة أخرى!!
ما قيل عن أعوان السلطة المذكورين هنا على سبيل الكناية يعمم على كل رموزها الفاشيين، خاصة بعض القطاعات كالجمارك والدرك والشرطة..
إنهم منبوذون لا أصدقاء لهم ولا معارف حتى من الذين استعملوهم من السلطات، أو سخروهم من المافيات!!
وإذا كانت بضدها تتميز الأشياء، وبالمثال يتضح المقال، فإن النظر في حال المتقاعد الغربي، أو من أُنهي انتدابه بسبب انتهاء ولايته الانتخابية أو خسارة الجولة الموالية، في مجتمعه ومنزلته بين قومه ومكانته لدى شعبه، تمعن في بيان ذلة من زالت سلطته وبادت سطوته ممن بيننا!!..
