منديل صفية" في مواجهة دهاقنة الفساد" والاستبداد
عبدالفتاح المنطري
أثارني بالصدفة روبورتاج قصيرحول مغاربة السويد مبثوث على اليوتيوب تحت عنوان : شاهد ماذا قالت شقراوات السويد عن الشباب المغربي ، وجدت فيه مغربيا طموحا كون أسرة هناك وحصل على جنسية البلد ودرجة علمية فيه ويشتغل الآن بسلك الأمن المدني ، كما يعمل في نهاية الأسبوع كمنشط إيقاعات موسيقية " ديدجي" وهي مهنته الأصلية بالمغرب. ومما ذكره هذا الشاب المغربي/السويدي أنه حقق هناك ما لم يمكن أن يحققه بالمغرب وأن أجرته في اليوم بالسويد تعادل أجرة شهر بالمغرب ، ويحمد الله على ما وصل إليه بهذا البلد ذي الفرص العديدة والمتكافئة بين كافة المواطنين
بعد مشاهدة هذا الفيديو، اطلعت على تشكيلة الحكومة الحمراء الخضراء للسويد، فوجدتها تتكون من 24 وزيرا نصفهم نساء ومتوسط أعمارهم 45 سنة، منهم وزراء ووزيرات للثقافة والديمقراطية وللأرياف وللنشاط التجاري والابتكارولسوق المال وشؤون الاستهلاك ولاستراتيجية المستقبل والتعاون بين دول الشمال وللمساواة وشؤون الاطفال والمسنين ولسوق العمل وللتعليم العالي والأبحاث ولتطوير المعارف والدراسة الثانوية
كل من كتبت له زيارة معاينة أوعبرشبكة النت لهذا البلد المعروف بديموقراطيته وشفافيته العليا ، سيكتشف حجم الفرص المتاحة والحقوق المكتسبة الموضوعة رهن إشارة مواطنيه في التعليم والشغل والحياة الكريمة ، لأنه ببساطة ، الكل يحتكم للقانون وإلى حق الإنسان في الحياة والمساواة والعدل وكرامة العيش ، فقلما تجد عندهم دهاقين مفسدين مستبدين مثل الذين كانوا عندنا وبقي منهم من بقي إلى اليوم في السياسة والاقتصاد والإدارة والإعلام..في الفلاحة والتجارة والعقاروعالم الأبناك وفي سوق المال والأعمال والسمسرة وفي مغربنا العميق ، في بره وبحره وجوه ..منهم من يقاوم بشراسة كل محاولة لإصلاح البلد واجتثات جرثومة الفساد والإفساد والاستبداد من هذه الأرض الطيبة المعطاء ، صاحبة تاريخ مشرف متوج بالأمجاد والألقاب تحترمه جل الأمم والشعوب
يحيلنا الحديث عن هؤلاء الدهاقنة في الفساد والاستبداد ورؤوس الأفاعي في جيوب المقاومة لمحاولات الإصلاح والتغييرفي شؤون حياة المواطن المغربي التي ينبغي أن تسير نحوالأفضل والأرقى في كل الاتجاهات ، إلى شريط تلفزيوني طويل أنتجته التلفزة المغربية وأخرجه محمد العليوي قبل عقد ونصف العقد تحت عنوان : "منديل صفية"، سيناريووحوار:شوقي الحمداني وجملته أيضا الموسيقى التصويرية ليونس ميكري ، وتدورأحداثه في فترة من هيمنة الأعيان وأصحاب النفوذ ورجال المخزن في الاستيلاء على أراضي الفلاحين الصغار، ومقاومة إرادة المستضعفين من سكان القبيلة في حق العيش وكسب القوت . وقد صورهذا الفيلم الممتع نواحي مدينة الراشيدية ، وتألق فيه ببراعة المرحوم محمد بنبراهيم في دور جعفر الفلاح الكبير صاحب النفوذ المستعين بالرحماني الأعلى منه شأنا المتحالف مع احميدة شيخ القبيلة (العربي الساسي) ورجال السلطة بالقرية يساعده في جبروته زبانيته كسعيد باي في دورولد فطومة القاتل ومحمد الشوبي في دورحمان الكابران الغريب عن القرية وصانع النزاعات ،المنفذ لسياسة جعفرالمتسلطة التي لا ترحم مسكينا ولا ضعيفا من سكان القرية
ولأن لكل ظالم حد ، فقد كانت نهاية القصة غير سعيدة بالنسبة لجعفرالطاغية بعد قطع الماء عن أرض السيدة حمالة المسكينة(فاطمة هراندي) وأمرباعتقال (هشام أشعاب) المعلم/المراسل الصحفي زوج طامو(مجيدة بنكيران) والعطار(علي قروي) ثم ألحق بهما صفية(هند المرزوكي) مشروع خطيبة المختار(حسين الدجيتي) في حالة اختطاف ، تم التبليغ عنها بشكل ملتووإلصاق التهمة بها في قتل البقال لخضر(حمادي التونسي ) الذي حضرلإغاتثها يوم اختطافها ، باعتبارها محبوبته التي كان ينوي الزواج بها ، فباغته ولد فطومة بطعنة قاتلة أردته جثة هامدة. وكانت هذه الطعنة هي التي أفاضت الكأس بعد العثورعلى أداة الجريمة ، حينها جمع المختاروطامو سكان القرية وذهبوا جميعا ليلا لمنزل جعفر، وكان شيخ القبيلة عنده ، فطالبوه جماعة بإطلاق سراح صفية ، لكن الأحمق المتسلط أخرج بندقيته وأطلق النار في الهواء وهددهم بالقول: والله لي قرب هنا حتى تبكي عليه مو الليلة، منكرا وجود صفية عنده ..ثم أطلق طلقة أخرى أرادها الله أن تكون فيها نهاية لظلمه ، حيث أصابت مصباحا زيتيا معلقا في الشرفة ، فاندلعت النار في كل أركان المنزل الخشبي ، ودخل سكان القرية لإغاثة المعتقلين ومعهم بطلة القصة الفتاة صفية موعودة فارس أحلامها المختار
وهكذا انتهت المأساة بإحالة الظالمين على العدالة وهم جعفر وزبانيته، حمان وولد فطومة والشيخ احميدة والشركاء في الجريمة ، لكن الدرس المستخلص من هذا الفيلم الرائع في قصته المجسدة للصراع بين قوى الظلم وقوى الحق على الأرض ، قد نستمد منه ما يمكن أن يحدث لمتسلط مستبد فاسد يريد أن يستولي على حقوق غيره من المواطنين البسطاء ، حيث تحضر إرادة خيرالماكرين ، فيحيق المكرالسيء بأهله
لأن للضعيف رب يحميه طال الزمن أم قصر
إن الله يمهل ولا يهمل ويصبرعلى كل ظالم متجبر وينصر المظلوم حتى ولا بعد حين. ففي صحيح البخاري - كما هومعلوم - عن أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ
قَالَ : ثُمَّ قَرَأَ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيد
