حظ الفقراء من تعليم ذي جودة عالية
خالد التاج
تعاني المنظومة التعليمية ببلادنا من مجموعة من الاختلالات البنيوية التي تعتري مسارها وتحول دون تحقيقها للتطلعات المرجوة منها على الرغم من التهام ميزانية التعليم لإمكانيات مادية هائلة وعلى الرغم من المجهودات المبذولة للنهوض بهذا القطاع والدراسات العديدة التي ترمي إلى تشخيص مكامن هذه الاختلالات والنقائص والعمل على معالجتها.
فإذا كانت المدرسة العمومية قد أفرزت في وقت من الأوقات خيرة الكفاءات والخبرات من كافة أطياف المجتمع والطبقات الاجتماعية وفي مختلف التخصصات ومن ضمنهم أبناء الفقراء وضمنت لهم ولوجا سلسا إلى سوق الشغل وبالتالي الإسهام في تنمية بلادهم، فإن واقع الحال أصبح يشير إلى وجود خلخلة تؤثر على علاقة الثقة في المدرسة العموميةكما أن العديد أصبح يربطها بالفشل وانسداد الأفق، وبالتالي ضرورة البحث مبكرا عن بدائل وحل سحري والذي يكمن حسب زعمهم في التعليم الخاص والذي يعتبر شريكا لنظيره العموميتماهيا مع أبناء الفئات الميسورة التي اكتشفت هذه الحقيقة في وقت مبكر وضمنت لأبنائها تعليما جيدا، غير أن علاقة التماهي هذه سرعان ما أبانت عن بعض النقائص وأظهرت أن جودة التعليم الخاص التي يكثر الحديث عنها واعتباره ضامنا لمستقبل وردي ليست حقيقة مطلقة كما يتم الترويج لذلك في ظل المعطيات عن وجود جحافل من المعطلين خريجي المدارس والمعاهد الخاصة وفي ظل الحديث عن وجود أنواع مختلفة من الخدمات المقدمة من طرف تلك المعاهد أو لنقل ماركات و علامات تجارية مختلفة صادرة باسمها، وأيضا في ظل النفخ والمبالغة في النقاط و المعدلات وعملية التقييم ونسب النجاح التي تصل في كثير من الأحيان إلى نسبة 100% وهو ما يجعلها قريبة من الكمال الذي يعتبر مسألة نسبية في ميدان العلم و المعرفة أو باعتبارها كنوع من "البريستيج" والتباهي أمام المجتمع.
إذا كان أبناء الأسر المصنفة ضمن طبقات اجتماعية محظوظة أو لنقل ميسورة يُحدًدُ مسارهم الدراسي بشكل مسبق حتى أن مهنة المستقبل تكون مبرمجة ومنتقاة بعناية وبالتالي فإشكالية التوجيه في الغالب لا تكون مطروحة وعادة ما تتمحور حول التخصصات التي تضمن مستقبلا مهنيا واعدا ومكانة اجتماعية مرموقة وتسهل الولوج والاندماج الأمثل في النسيج السوسيو-اقتصادي وهو ما يجعل هذه العملية بدورها خاضعة لمعطيات الوراثة أو لوجود رصيد أسري من منطلق أن الآباء بدورهم ينتمون إلى أسلاك معينة من المهن والتخصصات وبالتالي يعرفون جيدا كيف يعملون على تيسير ولوجها لأبنائهم وبكافة السبل الممكنة وهي خاصية ليست محصورة في بلادنا فقط بل في العديد من المجتمعات البشرية والدول حتى التي تتوفرمنها على أنظمة تعليمية "متقدمة"، بخلاف أبناء الفقراء أو العامة و الذين يعتبر مسارهم الدراسي رهين "الصدفة" أو الظروف و الإمكانيات المادية و المعرفية التي ينبغي أن تكون عالية إذ في الغالب ما تترك عملية التوجيه واختيار المسالك الدراسية للقدر أما قصص النجاح التي تروى عند بعض الطلبة فهي مرتبطة في الغالب بمؤهلاتهم الذاتية أو لكونهم نجباء وهو ما يفسر كسر احتكار العديد منهم لمهن و تخصصات ظلت إلى الأمس القريب حكرا على فئات اجتماعية معينة.
فعلى الرغم من الإشكالات التي تعاني منها المدرسة العمومية إلا أنها لازالت قادرة على إفراز العديد من الكفاءات العالية التي ينبغي تشجيعها وتحفيزها والاستفادة منها على الوجه الأمثل باعتبارها تمثل ثروة بشرية لا تنضب وباعتبارها تشكل رافعة ومرتكز أساسي للتنمية والتقدم المجتمعي، لكن الأمر المؤسف أن نجد هناك نزيفا لتلك الطاقات البشرية التي كلف تكوينها خزينة الدولة الشيء الكثير وفي المقابل نجد دولا أخرى تعمل بجد على استقطابهم وتحفيزهم وتقديم منح دراسية سخية للمتفوقين منهم بغرض متابعة دراساتهم وتأهيلهم في معاهدها و جامعاتها وبالتالي الاستفادة من مؤهلاتهم العلمية.
هذا الواقع يجعل هدف مواصلة إصلاح المنظومة التربوية والتعليمية أكثر إلحاحا بغية إعادة الثقة والأمل في قطاع التعليم لا سيما العمومي وتأهيله حتى يتأتى له التماشي مع متطلبات العصر والمتغيرات الكثيرة والمتسارعة التي تحيط بنا والتي تجعل من التعليم يشكل بحق رهان المستقبل، فإذا كانت الدولة بمختلف هياكلها قد عملت على تأهيل وتقوية العديد من البنى التحتية الأساسية من طرق وكهرباء ودور للطالب وتحسين خدمات النقل والاتصالات ...الخ. إلى جانب البنى التحتية المدرسية في العديد من المناطق لاسيما النائية منها لضمان حق التمدرس للجميع وللحد من ظاهرة الهدر المدرسي أو لمواجهة ظاهرة الاكتظاظ في الحجرات الدراسية على مستوى بعض النيابات و الأقاليم، وإذا كانت قد اعتمدت العديد من الطرائق البيداغوجية والديداكتيكية كالميثاق الوطني للتربية و التكوين ومقاربة الكفايات ومدرسة النجاح ...الخ غير أن ذلك لا يمكن أن يتأتى إلا بالاهتمام بالعنصر البشري وجعله الهدف الرئيسي لأي خطة إصلاح والتي تبدأ بإعادة الاعتبار للمدرس باعتباره الساهر على تطبيق وتنزيل أي مقاربة ديداكتيكية تصبو إلى الرفع من جودة التعليم، وتعزيز نظام التحفيز والتشجيع للمتفوقينوإعادة النظر في نظام التقييم والانتقاء وعدم الارتكاز على مبدأ النقاط العالية كمعيار أساسي ووحيد للانتقاء في المعاهد والمدارس العليا ذات الولوج المحدود والعمل على انشاء المزيد من المدارس العليا و الجامعات بغرض استيعاب ومواجهة الأعداد الهائلة من الخرجين كل سنة، ينضاف إلى ذلك منظومة القيم لدى المدرسين والعاملين في السلك التربوي و التعليمي بكافة تخصصاتهم و مشاربهم والتي ينبغي أن تراعي حجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم واستحضار الضمير المهني و التحلي بحس المواطنة ومصلحة الأجيال الصاعدة التي يمثلها التلاميذ و الطلبة الذين يسهرون على تكوينهم و تعليمهم.
