الخوف من التغيير؟
الحسين أربيب
بعد ما توارى الربيع العربي وتحول الى نهر جاري من الدماء وسقوط الأبرياء من بنادق الأنظمة العربية التي تربت على العناد ولا ترضى التفاوض مع أي كان ، خاصة إن كان من الشعب، ساد شعور عام لدى الرأي العام العربي بالخوف من التغيير ، نظرا لكل ما رأوه وعاشوه من ويلات من قبل العسكر وكل أصناف القمع التابعة له، فأصبح التغيير مطلبا غير مرغوب فيه بالرغم ما يتضمنه من مزايا قد تعود على البلد جراء ذلك التغيير , إلا أن الوضع الذي تم به التغيير في بلدان الربيع العربي في كل من مصر وتونس وليبيا وسوريا واليمن جعلت المواطن العربي يفكر مليا في النطق بكلمة " تغيير" بل إن التعبير في ادنى حدوده المسموح به في الوطن العربي بات من المطالب التي لم تقدم خلال الخمس سنوات التي مرت على الربيع العربي الذي ذبل قبل الأوان وصار خريفا تساقطت أوراقه أرواحا بريئة بمدافع العسكر التي لا ترحم طفلا ولا نسوة ولا شيوخا ، فأصبح الزمن العربي عبارة عن متوالية من التفجيرات تليها تدميريات تزلزل كل الأٍرجاء ،المدارس المستشفيات الأسواق المساجد والمعابد طبعا بمن فيها من البشر .وتدفقات من البشر المهاجر هربا من جحيم الحروب وصار "عالة "على أروبا تقذفهم ككرة من نار تبرر بها كل خسارة تحل بها . إن التغيير كان دوما مطلبا ملحا في البلدان العربية نظرا للأوضاع المزرية التي تعيشها شعوبها التي لا تستطيع التعبير بل ولا حتى تلبية حاجاتها المعيشية إلا بشق الأنفس، واليوم وبعد تجربة الربيع العربي الذي كان فرصة للتغيير واستنشاق عبير الحرية تحول بين لحظة وأخرى الى كابوس رهيب يسلط على الشعوب العربية ، فمصر بعدما تم اسقاط نظام مبارك الذي جثى على نفوس المصريين أزيد من 30 سنة افرزت الصناديق الانتخابية لما بعد ثورة 25 يناير رئاسة ذات توجه إخواني مما مكن عودة العسكر بسرعة لأن الثورة لم تسلم لأهلها الذين قاموا بها ووقع الانقلاب وخرج السيسي ينافس الأهرام لأنه مسند بالرشاش والمدفع . أما تونس الخضراء فبعد بنعلي الذي هرب وترك الكرسي بعدما حمل كل ما خف وزنه وغلا ثمنه لن تكن ثورة كاملة الأوصاف لأنها سمحت لأذناب بنعلي بل حتى لمن كان ركنا أساسيا في عهد بوقيبة ليصبح رئيسا لعهد الثورة كأنما تونس الشباب غير موجودة تلك هي المفارقة التي عرفها الربيع العربي ، ثورة تحمل في أحشائها بقايا العهد القديم الاستبدادي ، ثورة ربيع كان يفتقد لأفق وزخم فكري يستمد قوته من عمق الشعب، أما سوريا فكان ربيعا محرقا لليابس والأخضر حيث أكل النظام أبناءه ككلب مسعور وكان القتل عنوان ثورة انطلقت من أجل المطالبة بالحرية ، وليبيا صارت منقسمة بين طرابلس وبنغازي وبينهما جيش حفتر وتنظيمات مسلحة منها تنظيم الدولة المسمى بداعش . أما في البلدان العربية الأخرى كالبحرين والأردن ودول الخليج فلقد مر الربيع العربي دون أن ينبت زهرة واحدة لأن المدفع قد داست بذرتها قبل أن تخرج للوجود كما هو حال البحرين التي جاءتها القوات المساندة للنظام من السعودية ، أما الجزائر فهي في وضع لا يحسد عليها إذ أن بلاد المليون شهيد أصبح يئن كأنين رئيسها المريض الذي تشبث بالكرسي أيما تشبث وكان العسكر وراء رجل عبارة عن صورة وهمية لرئاسة غير موجودة ولكن الجنيرالات تخطط لما بعد بوتفليقة ليستمر العسكر في الحكم وتستمر المزايا التي قلت الآن جراء هبوط اسعار النفط ، غير أن كل ذلك لم يثن الجيش الجزائري لعقد المزيد من الصفقات العسكرية بالمليارات في سباق مجنون نحو التسلح لأجل تخويف الشعب من التغيير وقمعه كلما رفع رأسه، ولإرسال إشارات لجاره المغربي بقوته وكأن العسكر الجزائري يبحث من وراء ذلك الى التخلص من عقدة حرب الرمال لسنة 1963 . أما مغرب ما بعد 20 فبراير الذي شهد تظاهرات عرفت ب "حركة 20 فبراير "كانت فرصة للنظام السياسي للتغيير وفق الخطوات التي يرى فيها مصالحه محفوظة دون أن يظهر لطالبي التغيير أن تصرفه ذلك جاء تحت الضغط ، وكان دستور2011 وثيقة متقدمة في حمولتها السياسية والحقوقية غير أن الممارسة السياسية التي تلته لم تكشف عن تغيير في العقليات لدى النخب الحاكمة بل صارت الأمور في بعض النواحي أكثر تدهورا مما كانت في السابق وذلك بشهادة منظمات حقوقية محايدة . ذلك أن المغرب الذي يتم تسييره بسلطتين تنفيذيتين واحدة منتخبة وأخرى لا ، يسير بسرعتين مختلفتين على الأقل في الظاهر ولربما مسبقة التخطيط لهذا المنوال ، لأغراض قد تنكشف من بعد، هذا الوضع خلق وضعيات سياسية متأزمة كملف التقاعد وصندوق الموازنة وتشغيل المعطلين سواء الحاملين للشواهد الجامعية أو الذين يتوفرون على تكوين بسيط ، والذي زالد الطين بلة في كل هذا هو وجود رئيس حكومة له العزم على رفع يد الحكومة والدولة بصفة عامة عن التوظيف والتشغيل خاصة لهؤلاء المتخرجين من مراكز التكوين والجامعات والمعاهد. وما واقعة وجدة إلا واحدة من الردود التي قد تتطور الى ما لا يحمد عقباها ، والحلول في هذه المسائل لا تتم بمزيد من القمع البوليسي ، فالفعل السياسي تتم حمايته بالإقناع والوضوح والحوار والمعينة وليس بالقوة والتعنت. إن التغيير السياسي مطلب أساسي لكل سياسة لأنها لن تستطيع مسايرة التطورات إن لم يكن التحيين والتغيير يرافق كل زواياها وكل منظور للمشاكل التي تعالجها سواء من حيث المدد والأمكنة وكذا الفاعلين والمفعولين لهذه السياسة سواء كانت اقتصادية او اجتماعية او ثقافية ، إلا أن التغيير المطالب به من قبل الشعب بات يلفه الخوف من التنكيل الذي أبانت عنه الحكومات العربية لدرجة أصبحت كل فئات الشعب تراجع مواقفها وتتراجع في مطالبها لأن القمع تجاوزها وتلك خطوة عقلانية منها لأن الظرفية غير ملائمة للتغيير بحكم أن المكونات السياسية نفسها من أحزاب ونقابات ومنظمات غير حكومية وجمعيات أصبحت تلعب لعبة قذرة لها عدة وجوه ولا تستطيع الجهر بالحقيقة لأن الانتهازيين نخروها واستولوا على مقاليد تسييرها وأفرغت من محتواها ، وأصبحت عبارة عن هياكل فارغة ترد الصدى ، صدى الأنظمة السياسية بكل تفاصيلها وكأنها تصنع سياسة التغيير ، وأي تغيير هذا الذي قد يتم في ظل الخوف والفقر والجهل ؟
