الالتقائية الروسية الأمريكية ورهان بناء الدولة السورية من جديد؟
الحسين بوخرطة
قبل الدخول في صلب الموضوع لإثارة النقاش على ضوء هذا السؤال، نرى من الأفيد طرح ملاحظتين نعتبرهما هامتان ولهما بلا شك تأثير، بحدة ما، على مجريات التطورات السياسية والدبلوماسية في العالم.
الملاحظة الأولى: هناك عدد كبير من المتتبعين يربط ما حدث في الدول التي شملها الحراك العربي بوجود منطق استبدادي عند النظم الحاكمة لم يسمح لها بالإصغاء بحكمة وتبصر لما يحدث يوميا في حياة شعوبها من تطورات. وهناك من يعتبر عبارة "فهمتكم"، التي صدرت عن الرئيس التونسي المخلوع، بمثابة محاولة للاستدراك جاءت خارج الزمن السياسي. وعندما يتم الحديث عن الاستبداد نعني بذلك تضييق هامش استيعاب النخب الوطنية الفاعلة، واعتماد منطق فئوي مبالغ فيه لا يمكن أن يترتب عنه إلا الهذر المتنامي للطاقات وضعف متواصل في جودة لعب دور الوساطة الترابية المنتجة والنافعة. لقد أبانت التجارب السياسية في دول الغرب أن الوساطة الاقتصادية ما بين الفئات المجتمعية المكونة للهرم الطبقي الاقتصادي للشعوب والأمم ليست منفصلة عن الوساطة السياسية. فالاستراتيجيات الوطنية لتوسيع الطبقات الوسطى بسبب سهولة صعود أفراد الطبقة السفلى إليها عبر التفاعل الاقتصادي، كانت الركيزة الأساسية لتقوية التلاحم المجتمعي والروح الوطنية. إنه الارتباط الذي يجسد العلاقة الطبيعية ما بين الانشغال الوطني لتقوية الديمقراطية بالتدرج وتحقيق المستويات المطلوبة في التنمية الاقتصادية والبشرية. وهنا يمكن أن نقر، بكل ثقة وصدق، بتميز التجربة المغربية في هذا المجال بالرغم من حدوث بعض التراجعات على مستوى السلطة التنفيذية في السنين الأخيرة. إن الراعي للدورة الاقتصادية في كل البلدان هي الطبقة الوسطى، طبقة تعي الرهان الوطني ومهووسة بتقوية اللحمة الوطنية. إنه الدرس الذي يجب استحضاره للخروج من الأزمات في دول الشرق الأوسط بصفة عامة، ولحل الأزمة السورية بصفة خاصة نظرا لأولويتها في الأجندة الدولية لحل الأزمات في المنطقة.
الملاحظة الثانية: لا نعتقد، كما جاء في بعض الكتابات، أن هاجس تحقيق رفع ثمن البرميل من الذهب الأسود هو العامل الأساسي المتحكم في منطق العمل الدبلوماسي الدولي والصراعات السياسية والعسكرية في منطقة الشرق الأوسط. هناك فعلا تأثير سلبي لهذا الانخفاض على الدول غير الصناعية التي تعتمد أكثر، من أجل جلب العملة الصعبة، على تصدير المواد "الخامية". نقول هذا لكون انخفاض ثمن هذه المادة الحيوية بالنسبة للدول الصناعة الكبرى، وان كانت من الدول المصدرة للبترول، سيكون له وقع إيجابي على تكلفة إنتاجها الصناعي، أي سيؤدي ذلك إلى انخفاض ملموس لتكلفة إنتاج شركاتها العابرة للقارات ومتعددة الجنسيات.
باستحضار هاتين الملاحظتين، نعود إلى الملف السوري. لقد تضافرت الجهود الدولية، مستعملة الضغوطات وباعثة الرسائل السياسية للطرفين المتصارعين، أي النظام السوري والمعارضة، مبرزة الأهمية القصوى، في هذا الظرف بالذات، لاستئناف المفاوضات السياسية. لقد ثبت اليوم أن الميول إلى تغليب العنف في العمل السياسي كان سببا رئيسيا ومباشرا في تسريع عمليات الهدم والدمار. لقد تسبب الإقصاء والتهميش في سوريا، الذي استمر لعشرات السنين، في تفنيد فكرة ربط ضمان الاستمرار باعتماد المقاربة الأمنية لوحدها. لقد تبين في كل البلدان المأزومة في المنطقة أن اعتماد الخوف والتخويف والاعتقال والقمع والخطف والقتل....لم يكن له أي وقع إيجابي في مصلحة الأنظمة ولم يضمن الاستقرار لبلدانها. في نفس الوقت، لقد بينت عدة مؤشرات أن ميول النظم، التي شملها الحراك العربي، إلى العودة إلى الاستبداد بدون أي خطوات لبناء الصرح الديمقراطي لم يكتب لها النجاح. إن ترجيح فرضية استمرار عدم ملامسة الإرادة السياسية للقوى الحاكمة لتحقيق بناء ما يسمى بالدولة الوطنية الديمقراطية لا يستبعد فرضية عودة الحراك الشعبي مجددا. لم يعد اليوم للاستبداد سندا في النظام العالمي الجديد. فبالرغم من الكوارث الإنسانية، تعيش الشعوب العربية بلا شك وضعا جديدا من الواضح أنه أقبر بشكل نهائي نزعات المشروعية السياسية القديمة كنزعة القومية العربية. إن طبيعة التطورات المتراكمة منذ سنة 2011 مليئة بالدروس والعبر. لقد تبين اليوم أن عملية الهدم سهلة جدا، وأن عمليات البناء، بالرغم من صعوبتها، ستبقى دائما انشغالا مترسخا في أذهان الشعوب والأمم. إنه السبيل الوحيد لتقوية الروح الوطنية في كل البلدان العربية الشقيقة، روح قد تمكن المنطقة، بدولها وشعوبها، من المناعة الكافية التي لن تترك مجالا لإعادة إحياء وانتعاش نزعات التغرير الطائفي والعشائري والمذهبي. إنه السبيل الوحيد كذلك للبدء في تشكيل جبهة سياسية واقتصادية عربية ومغاربية، مدعومة دوليا، تدفع كل من تركيا العثمانية وإيران الفارسية وحزب الله وأتباعهم في المنطقة إلى إعادة حساباتهم السياسية.
إن العلاقة الجدلية بين النجاعة السياسية على أساس الديمقراطية والقوة الاقتصادية ستبقى شعارا للمنظومة الدولية اليوم وغدا. لقد سمح للمتطرفين للدخول إلى منطقة الشرق الأوسط عبر بوابات معروفة. كما نتابع منذ أيام جهودا دبلوماسية تتخللها لقاءات ما بين دول الاتحاد الأوروبي فيما بينها ومع القوى الإقليمية من أجل إيجاد الصيغ المناسبة للحد من الهجرة وتوافد اللاجئين على اليونان. في نفس الوقت، برزت الحاجة دوليا لتحقيق الالتقائية ما بين أمريكا وروسيا لاستئناف المفاوضات السياسية في سوريا، وخلق الشروط الضرورية لتسهيل عملية تحقيق تحالف كوني لاجتثاث التيارات الإرهابية في المنطقة، وبالتالي إعطاء الانطلاقة للتشاور لتقوية التعاون الاقتصادي ما بين الشمال والجنوب.
