سؤال أهمية التكتل الاقتصادي لدول الشرق الأوسط الكبير وآليات دعمه شعبيا؟
الحسين بوخرطة
كلما عزمنا كتابة مقال عن العالمين العربي والمغاربي ما بعد ما سمي بالربيع العربي، نجد أنفسنا غير مقتنعين بربط الأزمات في المنطقة العربية بمسألة الصراع السني/الشيعي. البديهي هو كون ما وقع ويقع من نزاعات وأزمات ودمار واقتتال لا يمكن أن يبقى بدون تبرير سياسي يتم الترويج له إعلاميا. لكن، ما لا يمكن الخلاف في شأنه هو أهمية الموقع الاستراتيجي للمنطقة وغناها الطبيعي والبشري. فهي تربط بين الشرق والغرب والجنوب. فمن خلال المغرب العربي المكون من خمس دول (المغرب، الجزائر، تونس، ليبيا وموريتانيا) يمكن تأسيس إطار تعاوني ما بين الغرب الأوروبي وإفريقيا بدءا من دول إفريقيا الغربية ومرورا بدول الساحل جنوب الصحراء ووصولا إلى دول إفريقيا الوسطى. كما أن موقع المجموعة المكونة من مصر والسعودية وباقي دول الخليج والعراق وسوريا والأردن ولبنان وفلسطين من الممكن أن يتحول إلى فضاء جد مؤثر دوليا إذا ما توفرت الإرادة السياسية لتحقيق شروط انضمام إيران وتركيا إليه في إطار اتفاق لتشكيل مجموعة اقتصادية تمتد من تركيا وإيران شرقا إلى المغرب غربا. فالموقع الاستراتيجي لكل من تركيا وإيران ما بين الغرب والشرق يمكن أن يوفر لهذا الإقليم الشاسع كل المقومات الطبيعية والجغرافية والاقتصادية المحفزة للحديث عن منطقة الشرق الأوسط الكبير. إنها منطقة تلاقي الحضارات الفارسية والعثمانية والعربية والمغاربية، وهي في نفس الوقت منطقة الغنى الطبيعي الأكثر ارتفاعا على سطح البحر.
إن ما يعرفه العالم من تطورات في العلاقات الدولية يقدم اليوم لدول هذه المنطقة فرصة سانحة يجب استغلالها قبل فوات الأوان للتمكن من لعب دور الوساطة الاقتصادية والسياسية والثقافية ما بين الشرق والغرب. فتركيا، المطلة على البحرين الأسود والأبيض المتوسط، هي بوابة أساسية ما بين أوربا وآسيا والدول الموالية لروسيا أو القريبة منها ككازاخستان، جورجيا، أرمينيا، وأزاربيدجان، وأوزبكستان، وتادجكستان، وأفغانستان والباكستان...
إن هذه المعطيات وأخرى تؤكد بالفعل أن دول المنطقة في وضعية جد حساسة تتطلب توالي المبادرات لتوفير ظروف البدء في المفاوضات الجادة لخلق منظومة مؤسساتية للتعاون الاقتصادي والسياسي والعسكري. المنطقة في حاجة إلى مبادرات جادة لإيجاد السبل الضرورية لتقوية الثقة ما بين دولها وتقوية روابط شعوبها للخروج من منزلقات التشتيت. وهنا نرى أن البدء بتأسيس جامعات وفيدراليات في مختلف الرياضات قد يشكل دعامة لتحقيق هدف التعبئة الشبابية لفائدة هذا المشروع. فالبدء مثلا بتنظيم كأس الشرق الأوسط لكرة القدم وتشكيل منتخب إقليمي يسهر عليهما جهاز يتم تأسيسه وتسميته أخذا بعين الاعتبار امتداد المنطقة من تركيا وإيران شرقا إلى المغرب غربا قد يكون تدشينا للحملة الإعلامية لهذا المشروع الكبير، حملة تتوج بتقوية نزعة الانتماء في نفس الوقت للوطن القطري وإلى المنطقة الشاسعة ذات الإمكانيات الضخمة.
لقد قال أوباما في حواره المطول مع جريدة "أتلانتيك" أن منطقة الشرق الأوسط لم تعد تحتل مكانة هامة في الأجندة الأمريكية، وهاجم كل من السعودية وتركيا ومصر، وأكد أن الأفيد بالنسبة لبلاده يتجلى في التركيز على آسيا وأمريكيا الجنوبية.... في نفس الوقت تتبعنا كيف طالبت المعارضة السورية يوم 20 مارس 2016 من روسيا، على لسان القضماني، التدخل للضغط على نظام الأسد للدخول في مفاوضات الانتقال السياسي بشكل جدي..... لقد حان الوقت لتعبئة الدول وشعوبها لكي لا تكون منطقة الشرق الأوسط الكبير مجرد موضوع لتوزيع مناطق النفوذ بالنسبة للدول العظمى. لهذه المنطقة كل الإمكانيات لتتحول إلى قوة اقتصادية وسياسية وعسكرية مؤثرة في التوازنات السياسية في العالم وفي حفظ الأمن والسلم والسلام كونيا.... فلا يمكن التسليم بفرضية تخلي أمريكا على المنطقة لصالح روسيا في إطار توزيع مناطق النفوذ المصلحية ما بين الدول القوية. كل الأزمات التي تعرفها دول المنطقة يمكن تجاوزها بسرعة في حالة البدء في مفاوضات تشكيل مجموعة اقتصادية إقليمية تنصهر فيها الانتماءات العقائدية والنزعات الطائفية والمذهبية. المنطقة محتاجة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى الحفاظ على استقرار دولها وتنمية شعوبها وتقوية مناعتها ومقاومتها للضغوطات والأطماع الخارجية. فالتقوية الإقليمية لمناعة تركيا وإيران والمغرب ودول الخليج هو ضرورة ملحة..... تركيا تنافس أوربا وروسيا اقتصاديا، .... والمغرب حقق تقدما ملموسا في التوغل الاقتصادي في اتجاه إفريقيا الغربية... وإيران تنفتح على محيطها ويجب أن تقتنع بأن مستقبلها يوجد في الشرق الأوسط الكبير... إن شعار التعاون شمال-جنوب لا يمكن أن يتحقق ميدانيا بشكل ملموس إلا في حالة واحدة، وهي حالة بناء المجموعة الاقتصادية للشرق الأوسط الكبير بمقومات ومؤسسات تمكن المنطقة من تجاوز معيقات استغلال إمكانياتها الهائلة والمتنوعة بالشكل الذي يرفع من قوة حركية رؤوس الأموال والسلع والخدمات ما بين دول المنطقة وما بين الشرق والغرب بدوله المتقدمة (روسيا والصين والهند وأوروبا وأمريكا)، وما بين الشمال والجنوب (أوروبا وإفريقيا على الخصوص)...
عالم اليوم لا ولن يحتمل أجدات دولية أخرى غير ما ندعو إليه لتقوية النزعة الإنسانية في العمل السياسي... وإلى يومنا هذا نستبعد ارتباط تصريحات بان كي مون الأخيرة وما بدر عن المحكمة الأوروبية في شأن الوحدة الترابية المغربية وما تعانيه تركيا بسبب الملف الكردي بأجندات دولية ذات أبعاد جيواستراتيجية بعيدة المدى.
