سقطات بان كي مون دلالة على فشل الأمم المتحدة
حسن مبارك اسبايس
"يا رايح كثر الفضايح" مثل يردده المشارقة وفيه من الدلالات ما فيه، ومضمونه ينطبق تماما على صاحبنا "البوكيمون" الذي ظل صامتا طوال فترة ولايته للأمم المتحدة وخرج فجأة في الأيام الأخيرة لولايته وبدأ يتخبط في تصريحاته اللامسؤولة لرجل المفترض فيه الحكمة والتبصر والحسابات الدقيقة في كل ما يقول على الأقل وليس ما يفعل لأنه بصراحة لم يفعل شيئا يذكر ولم تفصل الأمم المتحدة حتى في نزاع "ديكين" خلال فترة ولايته.
منذ أيام قليلة خلت حل هذا الرجل بموريتانيا والجزائر والتقى انفصاليي البوليساريو في مخيمات تندوف ، ووجعه قلبه لما رأى وغلبت عليه عاطفته الجياشة وهو القادم من الشرق الأدنى هناك من كوريا الجنوبية ، فأطلق العنان لتصريحات لا مسؤولة بخصوص النزاع المفتعل بشأن الصحراء المغربية، واصفا المغرب،صاحب الحق والأرض بحكم محكمة العدل الدولية في لاهاي، "بالمحتل"!! وهي التصريحات التي ربما لم يكن يتوقع ربع رد الشارع المغربي عليها من خلال مسيرات احتجاجية عارمة وصل صداها ومداها الغرب بالشرق والشمال بالجنوب من العالم.
وضع الرجل نفسه في مأزق وقد يكون أدرك ذلك لكنه ظل يراوغ تارة بتفسيرات غير مقنعة أنه لا يقصد الكلام وتارة يلوح بورقة أنه يمثل الأمم المتحدة وعلى المغرب أن يرضخ لقراراتها، لكن ما لم يدركه ربما هو أنه وقع فعلا في المحظور وتخلى عن أهم مبدأ يجب أن يتوفر في من يتولى منصب "السكرتير العام للأمم المتحدة" وليس "الأمين" العام لأنه لم يكن أمينا، ألا وهو الحياد وعدم الإنحياز لأي طرف في قضية مطروحة للتفاوض منذ أزيد من 40 سنة.
ربما لم يكن بان كي مون يتصور أن قضية الصحراء المغربية بالنسبة لنا كشعب مغربي قضية أمة وشعب وليست كما ربما أفهمه جيران السوء في الجزائر أنها" قضية نظام المخزن" كما يقولون دائما كلما تحدث أحدهم على القضية بسبب أو بدون سبب وأن الشعب المغربي ليس مهتما كثيرا بالموضوع! ولكن الجواب أتاه سريعا وبقوة لم يكن يتصورها ورد الشعب قائلا" المغرب في صحرائه والصحراء في مغربها وعلى البوكيمون أن يرحل".
سقطة بان كي مون ضد المغرب ووحدته الترابية ووصفه القبيح لنا "بالمحتل" لم تكن الأخيرة هذه الأيام، ذلك أن الرجل بالأمس خرج خرجة أخرى، عفوا سقط سقطة أخرى، من العاصمة الأردنية عمان حين أشاد وأثنى على قوات الأسد في استرجاع السيطرة على تدمر وهو بذلك يثني على نظام الأسد الذي كان يعتبره بالأمس القريب خطرا على الشعب وأنه يجب إزاحته على الحكم وتسليم السلطة للشعب السوري! فما الذي تغير يا بان كي مون وما هذا التضارب في المواقف والتراجع المخيف باسم هيئة عامة تمثل العالم وتلعب فيه دور الحكم للفصل في النزاعات الإقليمية والدولية؟
أن يشكر بان كي مون نظام الأسد الذي أدانه من قبل في أكثر من مناسبة وأينما حل وارتحل فهذا تحول خطير من مسؤول أممي من هذا الحجم، ويحمل دلالات خطيرة على تذبذب موقف مؤسسة دولية بحجم الأمم المتحدة على لسان أمينها العام، ويضع مصداقيتها على المحك وينذر بمستقبل غير واضح لأي دور مرتقب لها في حل النزاعات الدولية والإقليمية.
جنون بان كي مون في تصريحاته الأخيرة يحيل على تنبؤات رجل وصف بالمجنون سابقا، وهو الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، الذي كان قد قال في عدة مناسبات أنه حان الوقت لحل الأمم المتحدة وتغييرها بجهاز دولي ثان لأنها بدأت تتاهوى وأصبحت كل القوانين والتشريعات التي تحكمها متجاوزة ولم تعد تنفع لحل أي قضية مطروحة أمامها والأمثلة على ذلك كثيرة، بل نتحدى أيا كان أن يذكر لنا قضية واحدة فقط تمت تسويتها عبر الأمم المتحدة وتدخلاتها!
فالظرفية التي أوجدت الأمم المتحدة من أجلها ولت مع الحرب الباردة ونتائج ما بعد الحرب العالمية الثانية، وسقوط جدار برلين ونهاية المعسكرين الشرقي والغربي وسيادة النظام العالمي الجديد والقوة الواحدة، وتبني العالم للنظام الاقتصادي الرأسمالي، كلها عوامل تجعل من الأمم المتحدة اليوم مجرد مؤسسة تقليدية لا تقوى على حل أي نزاع، فهل جاء زمن بان كي مون ليحرر محضر فشلها وبداية العد العكسي لنهايتها؟ سؤال ربما ستكون إجابته صعبة في الوقت الراهن لكنه يبقى مشروعا ومفتوحا على كل الاحتمالات.
أما فيما يخص قضيتنا نحن في المغرب فإننا نطالب بان كي مون باعتذار رسمي للشعب المغربي، ونذكره بأن المغرب بلد عضو مؤسس للأمم المتحدة وترأس مجلس الأمن لعدة مرات فلا يصح لك يا أمين عام الأمم المتحدة أن تهاجم دولة عضو في الهيئة من قلب مخيمات كيان وهمي لا شرعية له، اللهم إن كنت تقصد أن الأمر يتعلق بقضية مباشرة بين المغرب والجزائر وأن البوليساريو مجرد مطية فذلك شأن آخر . وفي كل الأحوال أيقن يا هذا أن الصحراء المغربية مسألة حياة أو موت بالنسبة لنا، وقضية أمة وشعب وليست قضية نظام كما بالنسبة لجيران السوء في الشرق.
