بن كيران..المعارض الشرس الذي روضه النظام
عبدالسلام المساتي
الأكيد أن عبدالإله بن كيران ،المزداد بأحد الأحياء الشعبية وسط الرباط سنة 1954 ،لم يعتقد في يوم انه سيصبح الرجل الثاني في هرم السلطة بعد الملك..أستاذ الفيزياء هذا كان في بداياته السياسية تائها بين الانجذاب لحركة 23 مارس اليسارية،والتعاطف مع الاتحاد الوطني للقوات الشعبية،وبين المواظبة على حضور لقاءات حزب الاستقلال...إلا أنه في الأخير وجد نفسه عضوا بالشبيبة الإسلامية التي سرعان ما غادرها لتأسيس الجماعة الإسلامية ،ترأسها لولايتين متتاليتين ،كانتا كافيتين ليسطع اسمه في سماء الحركات الإسلامية المعارضة،خاصة بعد الاعتقالات العديدة في صفوف الجماعة .غير بعدها اسم الجماعة لتصبح حركة الإصلاح والتجديد،ثم حركة التوحيد والإصلاح..
لم يكن تغييرا في الاسم فقط بل في المبادئ والأولويات أيضا حيث صارت الحركة تعترف بالمؤسسة الملكية وبالملك كأمير للمؤمنين.
لاحقا وبالضبط سنة 2008،تم انتخاب بن كيران على رأس أكبر حزب إسلامي في تاريخ المغرب،العدالة والتنمية ،كانت هذه نقطة تحول في حياة الرجل بعدما أصبح المعارض الأول لحكومة عباس الفاسي،وأيضا معارضا لسياسة الدولة في قضايا كثيرة،وحتى القصر ومحيطه لم يسلما من لسان بن كيران ،فهو الذي قال أن حفل الولاء يجب التراجع عن طقوسه لأنها مخالفة للدين وتعود بنا لما قبل الإسلام،ووهو الذي وصف صديق ومستشار الملك فؤاد عالي الهمة براعي الفساد والمتحكم في الدولة،كما ونعت مهرجان موازين،الذي ينظم تحت الرعاية السامية للملك،بمهرجان العري والفساد وأن الشعب أولى بميزانيته...
كان صراخه بالبرلمان وبالمظاهرات والوقفات الاحتجاجية كافيا لينال تعاطف ملايين المغاربة ،كان سهلا عليه أن يقنع المغاربة أن دولتهم يحكمها الفاسدين واللصوص و أنه هو المخلص رفقة أعضاء حزبه،المخلص للمغرب من براثن الفساد نحو العدل والمساواة والحرية والديمقراطية والرفاهية (طبعا بما يتماشى وديننا العظيم !).جاء الربيع العربي ليساعد هذا الزعيم الإسلامي في اختصار سنوات كثيرة ويقذف به إلى أعلى الهرم كأول رئيس وزراء في تاريخ المغرب.
توقع كثيرون أن تكون تلك اللحظة بالقصر الملكي في ميدلت،لحظة فارقة في تاريخ بلد مر بويل الاستعمار،ويل سنوات الرصاص،وويلات أخرى كثيرة أفقدت المواطن المغربي الثقة في الحكومة والبرلمان وأيضا في الأحزاب..لقد أعاد خطاب بن كيران الأمل لهذا المواطن في غد أفضل،تضاعفت درجة هذا الأمل مباشرة بعد تعيينه رئيسا للحكومة ونشره للائحة المستفيدين من رخص النقل والت اعتبرت سابقة كشفت عن الوجه القبيح لشخصيات رياضية وفنية ودينية كثيرة..هذه الخطوة رفعت سقف الانتظارات والتوقعات من هذه الحكومة إلا أنه سرعان ما تغير كل شيء وصار الخطاب غير الخطاب وكأن لائحة المستفيدين من رخص النقل أيقظت رؤوس الفساد ليجد بن كيران نفسه يقول " عفا الله عما سلف"..
إننا نقصد القول أن الأستاذ بن كيران كان في يوم ما معارضا شرسا،نفس الأمر بالنسبة لإخوانه في الحزب، ما حدث هو أن النظام بذكائه قام بترويضهم كما روض قبلهم كثيرين،فمشاركة النظام في السلطة تتطلب الامتثال لقواعد معينة..لا أقول أن بن كيران وافق على هذه القواعد لكنه كان يعتقد أن بإمكانه إحداث التغيير ومحاربة الفساد وهو جزء من النظام ،كما اعتقد بذلك الأستاذ عبدالرحمان اليوسفي سابقا وفشل. كثيرون يؤمنون أن فعل التغيير لا يمكن أن ينجزه إلا المعارضين للنظام والمتواجدين خارجه ،ولكن بالمقابل قليل من يعتق بإمكانية المتواجد ضمن النظام في التغيير،رغم التجارب الناجحة في العالم والتي قدم أصحابها مشاريعا قوية لم يكن للنظام إلا الفاعل معها بايجابية..أما عن حالتنا في المغرب ،اتضح أنه يستحيل تحقيق التغيير من قبل الذين يقبلون مشاركة النظام السلطة لأن الأحزاب السياسية بالبلد حاملة لمشاريع ،الشعب نفسه لا يؤمن بها. فالمشروع السياسي للعدالة والتنمية الذي اعتقدنا أن بإمكانه إحداث تلك الرجة التي يحتاجه المغرب ،تبين لاحقا أنه مشروع يشبه البالون الممتلئ بالهواء،قام بنفخه بن كيران و إخوان وشبكتهم الإعلامية .
مع تعاقب الحكومات والزعماء،تأكد لنا أن رهان التغيير والإصلاح في المغرب غير مرتبط باسم زعيم أو اسم حزب،بل مرتبط بالنظام ككل،هذا النظام الذي يعتبر أن معركته الكبرى والأولى هي المحافظة على بقائه أما الأحزاب فمهما كانت إيديولوجياتها ومرجعياتها يبقى شغلها الشاغل هو نيل رضا النظام إن هي أرادت تسلق سلم السلطة..لذلك ليس بغريب أن نرى بن كيران يبحث فقط عن الرضا الملكي ونسي رضا الشعب.
