تأملات في "التناسبية"

تأملات في "التناسبية"

سعيد المودني

 

بمنتهى الإتقان، بني الكون على التوازن والاعتدال من طرف مصممه.. لذا ترى مَن حُرم نعمة عُوض بأخرى، ومن امتلك أشياء افتقد سواها.. هذا في نفس العصر والمصر، حيث تكون الإمكانات متاحة بتكافؤ مبدئيا على الأقل من الناحية النظرية.. أما عبر العصور، فإن المسافر في الزمن،المتأمل في التاريخ، يجد تغيرا غريبا طرأ على طبائع الناس وخصائصهم الفيزيولوجية والشعورية في ارتباطها(الطبائع والخصائص) بمحيطهم وظرفياتهم وما توفر لديهم من أسباب العيش ووسائل الإنتاج والراحة والترفيه..التغيّر الذي أدى إلى تناغم أغرب بين الحالات البدنية والنفسية والعاطفية للبشر، محدثا توازنا إجماليا عبر العصور، أدى إلى استمرار الجنس البشري عبر المقاومة والكفاح والصمود، دون الإحساس بإحباط ويأس وقنوط،، كان لِيؤدي إلى انتحار جماعي، وانقراض الإنسان!!..

طبعا بالنسبة للمؤمنين فإن الهداية والتوجيه الربانيين هما الثابتان في السيرورة ليقضي الباري سبحانه وتعالى أمرا كان مفعولا، فيحقق الاستخلاف في الأرض وإعمارها، وتحقيق العبودية التي هي غاية الخلق، وإقامة الحجة على العباد في المجال الزمكاني المخصص للعمل..

إن الإنسان كان يعيش في العصور الغابرة قرونا(حسب الثابت في القرآن الكريم الذي أخبر أن سيدنا نوحا(ع) -مثلا- عمّر أكثر من 900 سنة..)، وكان يتمتع بجسد عملاق، وبطاقة على الصبر لتحمل المشاق البدنية والنفسية لا تضاهى.. كان يقطع الأميال مشيا، ويرفع على كاهله الأثقال الثقال حملا.. محروما من أية رفاهية -أو ترفيه- في المأكل أو المشرب أو الملبس أو المسكن...

كان طول العمر، وعملاقية الجسد، والصبر على المشاق البدنية والعاطفية، وعدم الإحساس بالزمن... كلها عوامل من جهة تلائم الظروف القاسية التي عاشها إنسان تلك العصور، ساعدته على الاتزان والتحمل والتجاوز، ومن جهة أخرى(خاصة فيما تعلق بعامل طول العمر)تشكل عامل تناسبية يوازن بطء الإنجاز حتى تتماثل، أو على الأقل تتقارب،حياة الإنسان في مختلف العصور كمسمى "حياة" ينتج عنها شعور بـ"الرضى" و"الاقتناع"..

أما الآن فكل تلك "الامتيازات" والقدرات والطاقات التي ذُكرت قد قُزمت بمقدار لا يدع مجالا للمقارنة.. غير أن ناتج الاستفادة من أمد الحياة بمعاملاتها المتعددة قد انقلب عكسيا لصالح المتأخرين، وهذا في كل المؤشرات المذكورة!!.. ذلك أن ميل تلك المؤشرات بفروق لا تقبل الجدل، بله الشك، لصالح الغابرين، لم يحرم المعاصرين من التفوق في مقادير مدْخلات الراحة المفترضة والاكتساب المتاح، عبر استغلال ما يمكن أن يروه، أو يسمعوه، أو يقرؤوه، أو يعلموه -بما توفره الوسائط الحالية وتيسره-, أو يأكلوه(من حيث الكم والكيف على حد سواء)، أو المسافة التي يمكن أن يقطعوها في علاقتها بالمدة اللازمة لذلك،، وما يمكن -بناء على ذلك- أن يحصل عليه الإنسان من حسنات، أو يقترف من سيئات، والرسالة التي يمكن أن يؤديها في عمره القصير الآن!!

في زمن متوسط السرعة فيه 100 كلم/س، أعماله ممكننة 100%،كل صنوف المعرفة فيه متاحة بكبسة زر،،، حياة 70 سنة قد تكافئ حياة أو تفوق حياة 500 سنة..

الاستثناء الوحيد الذي قد يكون ترجح لصالح القدامى على حساب الحديثين، وعلى غير العادة والاستلزام المنطقي، هو مؤشر الراحة النفسية.. وهذا من جهة نتيجة الشره والجشع وجني اليد، وكذا نتيجة سعي ابن آدم نحو الشقاء بفعل وسوسة إبليس وذريته وجنوده، ومن جهة أخرى من مقتضيات التوازن حتى لا يصاب الناس بالغرور أو بـ"التأله" إذا اكتمل له كل مراده..

 

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة