دخول مدرسي بطعم الاكتظاظ، هل جاء النذير بتخلي الدولة المغربية عن المدرسة العمومية؟
نورالدين الطويليع
تحولت مشاكل المدرسة العمومية المغربية إلى وصلة مفضلة للتندر والطرافة والحديث الفكه المؤسس على السخرية والتهكم, في المقاهي والمجامع العامة ومواقع التواصل الاجتماعي التي امتلأت صفحاتها بصور وتدوينات خصص أصحابها نسبة كبيرة منها لمشكل الاكتظاظ الذي صارت المدرسة المغربية تئن من ثقله وعبئه, بعد أن وصل مستويات قياسية لم يعرفها المغرب من ذي قبل, إلى درجة أننا صرنا نسمع عن تكديس ستين أو سبعين تلميذا في القسم الواحد, في ظل اكتفاء الوزارة الوصية بالتفرج على الوضع, خصوصا أن القائم الأول عليها خرج خروجا بئيسا ليقول لكل من اكتوى بنار هذا المشكل أن يد وزارته قصيرة وعينها عمياء, لا تستطيع أن تحرك ساكنا, ولا أن تغير من الواقع الاكتظاظي شيئا, مما يطرح علامة استفهام كبرى عما إذا كانت الدولة بصدد التخلي عن قطاع طالما روج رجالها بأنه في قائمة الاهتمام بعد قضية الوحدة الوطنية, لا سيما وأن مثل هذا التساؤل يجد وجاهته مع خرجات رئيس الحكومة التي اعتبر من خلالها التعليم عبئا ثقيلا على ميزانية الدولة, ودعا في أكثر من مناسبة إلى وجوب رفع الدولة يدها عن هذا القطاع, بما يعني أن هناك توجها جديا من الدولة لخوصصته بطريقة تدريجية, تشجع فيها زحف أرباب المال عليه بإغراءات الإعفاء الضريبي, وتوفير الأطر التربوية المكونة في المراكز التابعة لها, مع غض الطرف عن ظروف اشتغالها وعن الأجرة الشهرية الهزيلة التي تتقاضاها في كثير من الأحيان, بالإضافة إلى تمكينها من الاستفادة ومن امتلاك مؤسسات الدولة عن طريق سياسة التفويت.
إن عنوان الاكتظاظ ليس إلا عتبة من عتبات سياسة تنسج في الخفاء, وتظهر بعض ملامحها من خلال تمظهرات تعبر عن واقع حال المنظومة التربوية الرسمية التي تراجع عدد المنتسبين إليها من الأطر في ظرف السنوات الأخيرة من ثلاثمئة ألف إلى مئتين وعشرة آلاف, بما يعني أنها فقدت تسعين ألفا من أطرها التربوية والإدارية , بنسبة مئوية تعادل %30 أمام ازدياد عدد المتمدرسين الذين وصل عددهم خلال هذه السنة إلى سبعة ملايين تلميذ وتلميذة, وهذه مفارقة تجعل شعار الجودة الذي رفعته الوزارة في مهب الريح, اللهم إلا إذا كان الأمر يتعلق بجودة الأرقام الفارغة من أي مدلول, والتي يسعى أصحابها إلى الترويج لمغرب تشجيع التمدرس ومحاربة أمية الصغار, ورفع تقارير ذلك إلى المنظمات الدولية لضمان تدفق مساعداتها والاستفادة من قروضها.
إن وضعا اكتظاظيا كالذي تسبح في أوحاله المدرسة العمومية المغربية يضع المدرسين أمام أمر واقع مر, يجعلهم في أحسن الأحوال يتخلون عن طرائق التعلم الحديثة المبنية على دينامية المجموعات التي تقتضي عدم تجاوز ثلاثين تلميذا في أسوإ الحالات, ويستبدلونها بالإملاء والشحن والتلقين, ملقين عرض الحائط, مكرهين, البيداغوجية الفارقية, ونظرية الذكاءات المتعددة وأسلوب التعلم الذاتي المبني على التمهير, والتدريب على حل الوضعيات المشاكل, ولعب دور الحكم التربوي الذي يرشد إلى الحل والنتيجة ويشد انتباه متعلميه إليهما, عوض أن يكون هو صاحب الحل,ويكون المتعلمون مجرد جمهور متابع وظيفته الإنصات ومشاهدة مهارات المدرس أو شطحاته, وتدوين بطولته الدرسية على دفاتر تشبه صفحاتها قبورا تنتهي صلاحيتها بقلبها وفتح صفحة جديدة لدفن ميت جديد, عفوا, تدوين درس جديد.
في ظل هذا الاكتظاظ سيكون رهان المدرسين الأول وهاجسهم الوحيد هو ضمان مرور الحصة بأمان, بما سيجعلهم يفكرون في تطبيق "مقاربة أمنية من نوع خاص" يوفرون من خلالها جهد حرق الأعصاب والتوتر, من خلال واحد من شيئين, يتجلى أحدهما في التخلي عن وظيفة المدرس وتقمص دور الراعي الذي يقوم بوظيفة الحراسة ويكتفي بتسجيل الغياب والدعوة إلى التزام الصمت والبحث عن سبل التخلص من الفئة غير المنضبطة بطردها من القسم, أو بمساومتها بالنقط المرتفعة..., ويبرز ثاني هذين الخيارين في اكتفاء المدرس بالعمل مع النخبة التي قد لا يتجاوز عددها في أحسن الأحوال عشرة تلاميذ, وتهميش الغالبية الساحقة, خصوصا فئة المتخلفين دراسيا الذين تطفح بهم الفصول الدراسية, ولا يعدون أن يكونوا مجرد أرانب سباق, يأتون إلى المدرسة ويعودون منها وعقولهم هواء, وهي فئة تحتاج إلى وقت وجهد لتأهيلها من أجل تخطي عجزها التربوي والتعلمي ومواكبة مستوى زملائها , وهذه مهمة شبه مستحيلة أمام هذا الركام من التلاميذ الذي وضعه التدبير الحكومي الفاشل في الفصول الدراسية, وهذا ما يفسر ارتفاع نسبة الهدر المدرسي وتزايد عدد المغادرين لمقاعد الدراسة سنة بعد أخرى, بسبب تنامي الإحساس بلا جدوى المدرسة وبالعجز عن مسايرة إيقاع تعلماتها, وهو عجز يتحول في كثير من الأحيان إلى إحساس بالدونية قد يترك صاحبه أثره في المدرسة وهو يهم بمغادرة أسوارها بسلوك جانح تجاه زملائه أو مدرسيه, وحتى إن غادر ولم يفعل, سيتحول إلى قنبلة موقوتة قد تتطاير شظاياها في أي وقت وحين في شارع مليء بظواهر انحراف سلوكي يؤطره التعاطي للمخدرات وما يسمى بالتشرميل وقطع الطريق وإحداث الشغب في الملاعب الرياضية والاعتداء على الممتلكات العامة.
إن رهان المحافظة على ما تبقى من المدرسة العمومية ملقى على عاتق رجال ونساء التعليم, فأمام النوايا الرسمية التي طفح بعضها على السطح, والتي تروم التخلص منها وإلقائها في بحر لجي تتلاطم أمواج مجهوله منذرة بانقلاب سفينة يجدر بربابنتها أن يتحلوا بقدر كبير من الفطنة واليقظة, ومن التحلي بالصبر, ورفض الاستسلام للأمر الواقع, ومحاولة التكيف مع المستجدات وتحفيز الذات على العطاء, والتكوين الذاتي، بعيدا عن منطق التبرير وتبرئة النفس أو تعزيتها بأن الواقع الاكتظاظي لا يسمح بالعمل والعطاء, وبالتالي الركون إلى الكسل والخمول وترك الحابل على الغابر, وهو ما من شأنه أن يعمق الجرح وأن يحول المُدَرِّس والمُدَرِّسَة بدورهما إلى معول هدم سيلعب, سواء درى بذلك, أم لم يدر, وظيفة تخريب السفينة التعليمية الرسمية وإغراقها في بحر المجهول.
