إنه التحكم ... الحداثوي

إنه التحكم ... الحداثوي

الصادق بنعلال

 

 

 

كتبت قبل تشريعيات السابع من أكتوبر بثلاثة أيام مقالا تحت عنوان " المغرب في انتظار فوز مريح للعدالة و التنمية " ، و بالفعل تمكن حزب المصباح من أن يحصل على نسبة متميزة و غير مسبوقة من المقاعد البرلمانية ، لم يجرأ أحد على التنبؤ بها ،  من المعنيين بالشأن السياسي للمملكة المغربية ، سواء من المتعاطفين مع هذا الحزب الإسلامي المعتدل أو خصومه و ما أكثرهم . و لئن كنت توفقت في معرفة مآل الاستحقاق المعني بالأمر ، فليس لأنني أعلم " الغيب " أو أقرأ الفناجين أو أطلع على " آفاق " المستقبل ، بل إنني أحاول قدر المستطاع أن أتحرى الموضوعية ، و أتخذ من البعد العقلاني و الديمقراطي وسيلة مثلى للتعاطي مع قضايا السياسة و الفكر ، بعيدا عن الاصطفاف العاطفي غير المسؤول إلى جانب قوى و هيئات تناصر اللاعقل و تستعذب " الحلم في زمن الوهم " . كما أنني أطمح و إلى حد بعيد  إلى بناء جسر يقرب بين كل مكونات المجتمع المغربي العلماني و الإسلامي و اليساري و الليبرالي .. و العمل على إغناء الثقافة السياسية ، و المساهمة في إنجاز تحول ديمقراطي فاعل ، يمهد لبناء دولة وطنية مدنية بحصر المعنى ، تسع كل ألوان طيف الشعب في سياق من الحرية و التسامح و الاعتراف بالآخر ..

 

***

 

غير أن بعض النشطاء السياسيين و الحقوقيين المغاربة لهم رأي آخر ، أقل ما يمكن أن يقال عنه إنه نزوع نحو التحكم و الإقصاء و الاستئصال و إبادة الخصم ، لمجرد أنه أكثر تنظيما و قوة و نجاحا ! و في هذا السياق كتب الناشط الأمازيغي المغربي أحمد عصيد مقالا " ينتقد " فيه المنجز الانتخابي التشريعي ، و يستهحن مقاطعة الانتخابات التي تقوي " سلطوية الدولة و نفوذ المحافظين " . و الواقع أنه من حق أحمد عصيد و غيره من الكتاب المغاربة و الأجانب أن يدلوا بآرائهم و تصوراتهم و مواقفهم السياسية و الأيديولوجية حتى ، و يستجلوا  مفردات و آليات الأداء السياسي الوطني ، شريطة أن يكون ذلك عبر مسلك علمي حصيف و تناول عقلاني راجح و مساءلة موضوعية محايدة . و السؤال الذي يفرض نفسه فرضا في هذا المضمار ، إلى أي مدى كان أحمد عصيد موضوعيا و محايدا و هو يحلل " مخرجات " التشريعيات الوطنية ؟ يؤسفنا القول إن النزعة العدائية و غير الودية التي يصدر عنها الكاتب منذ أمد طويل تجاه قضايا العروبة و الإسلام ، هي نفسها النزعة التي رسم من خلالها لوحة بالغة السواد للحزب الإسلامي المعتدل " العدالة و التنمية " ، لا لشيء إلا لأن الشعب المغربي صوت لصالحه و بكثافة ، و بوأه الصدارة ، و قرر منحه فرصة أخرى لمواصلة بناء المسار الديمقراطي المغربي مع رفقائه الآخرين . 

 

***

 

لقد وظف السيد عصيد معجما لغويا لا يليق بكاتب يتحدث بإسهال عن " مبادئ الترسيخ الديمقراطي "  ، فهل من الديمقراطية أن نستعدي الأطراف السياسية الأخرى ؟  و هل من الديمقراطية أن نقصفها بطريقة غير شريفة و ننعتها ب : تمييع النقاش و الإشاعة الكاذبة و التضليل السياسي و اعتماد الطرق غير القانونية و التحكم الإسلاموي و تهديد المكتسبات الديمقراطية و استعادة الدولة الدينية ... بل إن الأمر وصل بالكاتب إلى حد الزعم أن حزب عبد الإله بنكيران يتربص بالملك و " محاولته إضعاف الدور الملكي ، و ( كذا ! ) لا يحظى بمؤازرة الديمقراطيين لأنه يرمي إلى تنصيب التحكم الإسلاموي .. " ندرك أن عصيد يتصبب حقدا و عداء حيال المشترك الوطني و أخص بالذكر الدين الإسلامي الحنيف ، و لكن أن يصل به الأمر إلى الحكم على النوايا و الكذب ، و ضرب القيم الديمقراطية و" سيادة الشعب و الشفافية و التداول على السلطة و سمو القانون " ..عرض الحائط فهذا إشكال مأساوي بالغ الخطورة .

 

***

 

و عليه ، فقد قرر الشعب المغربي في تشريعيات السابع من أكتوبر ، و في مناخ من المنافسة و الشفافية  و بأغلبية معتبرة أن يمنح عهدة أخرى لحزب العدالة و التنمية ، لمواصلة الإصلاح في إطار الاستقرار السياسي و المجتمعي ، و كان على الهيئات السياسية " الكبرى " و التي رسبت في اختبار هذا الاستحقاق المفصلي أن تراجع مسلكياتها و طرق اشتغالها و تمارس نقدا ذاتيا جذريا ، لبرامجها و تصوراتها المتجاوزة ،من أجل إقناع المواطنين المغاربة الذين اتسع منسوبهم المعرفي و الثقافي بشكل عميق ، و الذين لا يمكن أن يتخلوا عن ثوابت الأمة المغربية و على رأسها الخيار الديمقراطي و الوحدة الترابية و الملكية و الدين الإسلامي المعتدل ، أما من يحدد وظيفته الاستراتيجية و العقدية في إطفاء " نور المصباح " فهو كمن يمتطي " جرارا " لحرث البحر !

 

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة