بعد رواية زفزاف، محاولة عيش أخرى في مهب الريح

بعد رواية زفزاف، محاولة عيش أخرى في مهب الريح

نورالدين الطويليع

 

في رواية "محاولة عيش" يصور المرحوم محمد زفزاف قصة شقاء لا تنتهي, عاش بطلها حميد في خضم البؤس والحرمان, قبل أن يضيق ذرعا بحياته البئيسة, ويقرر الارتماء في أحضان عالم السكر والعربدة والخمر والبغاء.

وفي رواية الواقع المغربي العبثية والفوضوية تطل علينا شخصية بطل الحكرة المرحوم محسن فكري الذي أوصدت في وجهه سبل الحياة السعيدة التي لا تفتح أبواب جنتها إلا للمقربين, وحيل بينه وبين استنشاق عبيرها الموقوف وقفا أبديا على طائفة خدام الدولة ومن والاهم, في هذه الرواية, وبعدما وجد محسن نفسه عاريا في جحيم واقع لا يرحم, طفق يخصف عليه بما يمكن أن يدثر عريه الاجتماعي البئيس, حينما اقترض بضعة ملايين السنتيمات, ممنيا النفس بأن تقيم صلبه وتغنيه عن وضع الإعاقة الاقتصادية التي يرزح تحت ضغطها, فاستثمرها في تجارة السمك, قبل أن ينتهي به الأمر مفروما هو وأسماكه في حاوية أزبال.

إذا كان محمد زفزاف قد اختار لبطل روايته "محاولة عيش" نهاية مأساوية عنوانها "العبث" بعد مسار طويل وفاشل بحثا عن عيش بلا طعم ولا معنى, فإن رواية العبث المغربي قد اختير لبطلها المأساوي "محسن" مغادرة الحياة الدنيا والالتحاق بالعالم الآخر أشلاء متقطعة كونت طبقا عنوانه "لحم الإنسان بالسمك والأزبال"، طبق سيوجه لديدان قبره التي لا ندري كيف ستستقبله, وماذا سيكون رد فعلها وهي تتذوقه لأول مرة, بعدما كان طبقها الوحيد هو لحم الإنسان الخالص؟

أهو تكريم للديدان واحتفاء بها بهذا الخليط العجيب, أم عقاب للرجل على جريرة ما قام به من "محاولة عيش", وتجرئه على دخول مجال محظور على أمثاله, بالاتجار في سمك لا ينبغي أن يكون إلا في متناول الكبار من أصحاب الصيد في أعالي البحار, الذين لا يحتاجون إلى رخص, ولا يعنيهم أمر ما يسمى بالراحة البيولوجية, وفي متناول السفن الأوربية التي تصول وتجول في عرض السواحل المغربية بلا حسيب ولا رقيب.

لو كان ما بحوزة المرحوم "محسن" شحنة سردين هل كان سيتعرض لهذا المصير؟, هل كانت ستوجه إليه تهمة شحن السمك في سيارة غير مناسبة؟, هل كان سيتهم بتسويق سمك منتهي الصلاحية؟.

بعيدا عن الاتهامات العريضة للرجل, لماذا لا تقولونها لنا مباشرة:"لنا أسماكنا ولكم أسماككم", وتكشفوا عن صك اتهام الرجل الحقيقي, المتمثل في الترامي على أسماككم الغالية والثمينة وحرمانكم من تصديرها وجني ملايين الدراهم...أسماككم نقية جميلة لا تستحقها بطوننا التي تعودت على ما اختلط بذباب, وتستحقونها أنتم ومن يسكنون خلف البحار, أما أسماكنا التي لا يحاسب بائعوها ولا يفرمون, فهي معروضة في أسواقنا الشعبية محاطة بجوق الذباب وأكوامه, مستلقية فوق خشبات عربات صدئة, والذباب يحوم حولها ويقتات منها, في منظر ربما صار جزءا من لذة شرائنا.

قولوا لنا بصريح العبارة, اشحنوا السردين في العربات وسيارات "السطافيت", وكلوه وأطعموه لبعضكم البعض كيفما كان طعمه, ومهما بلغ من عدم الصلاحية عتيا, واتركوا لنا أسماكنا الغالية, من قبيل سمك أبي سيف, نأكل منها ونبيع ونقضي بها مآرب أخرى, وكل من فكر في مخالفة القاعدة سنسحقه في حاويات الأزبال, وأنهوا روايتكم رحمكم الله.

سؤالي للقارئ الكريم: من ترى منتصرا في حبكته الروائية ونهايتها, المرحوم محمد زفزاف في روايته "محاولة عيش", أم مؤلف الرواية المغربية العبثية بهذه النهاية التي اختارها للمرحوم "محسن فكري", وهو يتطلع إلى محاولة عيش بطريقته الخاصة؟.

 

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة