الخصومات دواعيها حكمها و نتائجها
الحسن بنونة
بما أن الكثير منأّ يعيش في " دار غفلون " الغفلة ، أحببت أن أنبه عن هذا الداء الفتاك الذي يحرم المؤمن الغافل من حسناته غدا يوم القيامة و ربما يحرمه حتى من الجنة ، فلما الوقوع في شيء يؤدّي بنا إلى ما لا يحمد عقباه ؟ الخصومات.....
دواعي الخصومات :
منها ما هو ديني ومنها ما هو دنيوي ، فالدواعي الدينية قليل ما نجدها سببا في الخصام بين اثنين كأن يخاصم الإنسان صديقه الذي لا يصلي أو لا يزكي أو من يسب الدّين مثلا ،و ربما تكون هناك خلافات في التدين ، لكنني لم أسمع قط أنها أوصلت اثنين لدرجة الخصومة ، أمّا الدواعي الدنيوية فهي التي تسبب أكثر الخصومات بين الناس ، أذكر منها ، داعي المتاع من مال وأرض وبيت وسيارة وتجارة .......داعي المرأة ربما عن عرض أو شك أو تحرش .....داعي التعصب لرأي أو عرق أو عنصرية ....وهناك دواعي أخرى تافهة كالتعصب لفريق كرة أو لحزب أو نقابة ، وكل هذه الدّواعي قد تلقي باثنين في خصام قد يطول سنوات طويلة .
و ليكن في علمنا أن الصحابة رضي الله عنهم قد وقعت بينهم خصومات ، ولكن الفرق بيننا وبينهم ، أنهم كانوا حين يعرفون الحق يتراجعون ، وإذا ما نصح بعضهم بعضا تراجعوا ولا تطول الخصومات بينهم أكثر من ثلاثة أيام ، تصديقا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في رواية للبخاري وأبي داود وغيرهما { لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث }
. وأخرج الإمام مالك والبخاري ومسلم عن أبي أيوب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال ، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام }
حكم الخصومات في الإسلام :
يقول" محمد الصالح العثيمين" الخصام ينقسم إلى اثنين
الأول: أن يكون الغرض منه إثبات الحق وإبطال الباطل من البدع و الانحرافات ، وهذا مأمور به إما وجوبًا، أو استحبابًا بحسب الحال .
الثاني: أن يكون الغرض منه التعنت، أو الانتصار للنفس، أو للباطل أومن أجل متاع الدّنيا . فهذا قبيح منهي عنه ويأثم فاعلوه حتى يتصالحوا . انتهى قول العثيمين
و يقول أحد العلماء في موقع إسلام ويب :
الخصام الذي يسبب عدم المغفرة هو الخصام المؤدي للعداوة والتباغض، فقد أخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين والخميس فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئا إلا رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: انظروا هذين حتى يصطلحا ".
وأما مجرد الخلاف بين المتعاملين من دون تباغض ولا حقد فلا يدخل في هذا، ولكن تعمد الهجران وترك السلام على الأصدقاء لغير سبب ديني ممنوع شرعا وذلك أن تلتقيا فلا يسلم أحدكما على الآخر كما جاء في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام "
وأما الهجر لسبب ديني فهو مشروع إذا رجي تأثيره وتحقيقه للمصلحة كزجر العصاة، وأهل البدع وتاركي الصلاة بعد نصحهم وتذكيرهم بمخاطر ترك الصلاة، فإذا رجي أن يؤدي الغرض من هجرهم جاز الهجر، وإذا خشي أن يؤدي ذلك إلى مزيد نفور وعناد فالأولى عدم الهجر بل يصبر على السعي في هدايتهم ، والله أعلم .
نتائج الخصومات :
نتائج الخصومات كثيرة و متنوعة منها ما يؤدّي للحروب بين طائفتين ولو كانتا من المؤمنين ، قال تعالى :
{ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ }سورة الحجرات .
ومن نتائجها بين اثنين أن تؤدي إلى التباغض بينهما ثم بين ذويهما ، فتصبح الأسرتان المتحابتان متباعدتين وربما يصل بهما الحال لدرجة العداوة و الفُرقة .
و ممّا يقع بسببها أيضا ، الدخول في تبادل الاتهامات و الوصول إلى المحاكم ، و طلاق الزوجة من زوجها و إن لم يوجد سبب لذلك فقط خصام العائلة يُفرض على الزوجين . كما يصل الخصام لحد القتل وتكون أسبابه تافهة ، لا أنسى تلك الليلة من ليالي رمضان ، ومنذ عقد من الزمن تقريبا ، إذ خرج شاب من منزله بأمر والدته لينادي أخاه لتناول وجبة العشاء ، إذ بأحد أصاحبه في الحي الذي يسكنه / حي زيانة تطوان / ألقاه قتيلا بعد جدال بينهما عن مباراة كرة القدم بين الغريمين ريال مدريد وبارشلونة ، سبب تافه للخصام أدى بجريمة قتل بشعة . الشاب المقتول رحمه الله ترك الدّنيا وهو في مقتبل العمر ، والشاب القاتل يقبع في السجن ثم حسابه عند الله يوم القيامة .
بالنسبة لهذه الخصومات الثنائية فالعاقل من يتّبع سبيل الهدى ولا يترك مجالا للشيطان ولا للنفس الأمارة بالسوء أن تجعل من عزة النفس والانتصار لها سببا للخصومات بينه وبين إخوانه أو أهله أو جيرانه ........وأن يتبع هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ولا يخاصم أخاه ، و إن كان ولابد فلا يخاصم فوق ثلاث .
فكيف بنا نحن المسلمون نترك وصايا الرسول و هديه و نتبع خطوات الشيطان ليوقع بيننا العداوة والبغضاء ؟ قال تعالى { إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُون } سورة المائدة . و لو أن الآية حددت العداوة والبغضاء في الخمر والميسر لكن الشيطان حين ييأس من إخراج المسلم من الإيمان إلى الشرك ، يعمل جاهدا على التفريق بينه و بين أخيه المؤمن ، ولنا العبرة في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول (إن إبليس يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه (جنوده)، فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة (إغواءً وإفسادًا) يجيء أحدهم، فيقول: فعلتُ كذا وكذا، فيقول: ما صنعتَ شيئًا. ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقتُ بينه وبين امرأته، فيدنيه منه ويقول: نِعْمَ أنتَ، فيلتزمه (أي: يحتضنه)) رواه مسلم.
وحتى نقلل من الخصومات علينا أن نغض الطرف عن بعض هفوات الغير و أن نصبر و نحسن الظن في أغلب الأحيان حتى نجعل ممن خاصمنا يشعر بمعاملتنا الحسنة له و أنه محبوب لدينا عسى أن يعود إلى رشده و ينتهي الخصام .
قال تعالى :(( وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إلاّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ )) فصلت
فهل منّا من سيعمل على إحراز هذه الجائزة الكبرى من الله ؟ أن يكون من الذين صبروا وأن يكون دو حظ عظيم .؟
