المنظومة الأمنية المغربية… من جهاز سيادي إلى قوة تأثير دولي وصناعة للاستقرار

المنظومة الأمنية المغربية… من جهاز سيادي إلى قوة تأثير دولي وصناعة للاستقرار

بقلم نجيب الأضادي

يرسم المغرب اليوم ملامح نموذج أمني متقدم لم يعد يكتفي بحماية الحدود أو مواجهة الجريمة في بعدها الداخلي، بل تحول إلى أحد أهم عناصر القوة الاستراتيجية التي تساهم في صياغة معادلات الاستقرار على المستوى الإقليمي والدولي. ففي عالم تتشابك فيه التهديدات العابرة للحدود وتتسارع فيه التحولات الجيوسياسية، لم يعد الأمن مجرد وظيفة تقليدية، بل أصبح ركيزة سيادية تحدد موقع الدول داخل نظام دولي مضطرب.

لم يعد الأمن في عالم اليوم مجرد وظيفة إدارية لحماية الحدود أو مواجهة الجريمة، بل تحول إلى أحد أهم عناصر القوة الشاملة للدول، وإلى معيار مركزي في تحديد مكانتها داخل النظام الدولي. وفي هذا السياق المتشابك، حيث تتقاطع المخاطر العابرة للحدود مع الانهيارات الجيوسياسية في مناطق التوتر، يبرز النموذج المغربي كأحد أكثر التجارب الأمنية تطورا وفاعلية في المجالين الإقليمي والدولي.

لقد نجح المغرب خلال العقدين الأخيرين في بناء منظومة أمنية متكاملة، لم تعد تشتغل بمنطق رد الفعل أو التدخل المتأخر، بل بمنهج استباقي يقوم على المعلومة الدقيقة، والتحليل الاستراتيجي، والعمل الوقائي متعدد الأبعاد. ومن هنا، لم تعد المؤسسات الأمنية المغربية مجرد أدوات لحفظ النظام، بل أصبحت رافعة سيادية كبرى، ومصدرا للثقة الدولية، وعنصرا أساسيا في صناعة الاستقرار الجماعي.

وتتجسد هذه المعادلة بوضوح في الدور المتقدم الذي تقوم به المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني (DGST)، والمديرية العامة للأمن الوطني (DGSN)، والمكتب المركزي للأبحاث القضائية (BCIJ)، ضمن هندسة أمنية حديثة يشرف عليها عبد اللطيف حموشي، والتي استطاعت أن تجعل من المغرب أحد أبرز اللاعبين في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، ليس فقط داخل حدوده، بل أيضا خارجها.

إن أدوات تأثير المنظومة الأمنية المغربية لا تكمن فقط في القوة التنفيذية، بل في عناصر أعمق تتعلق بمنهجية العمل الأمني، حيث جمع المغرب بين ثلاثة مستويات متكاملة:

أولا: الاستباق الاستخباراتي بدل التدخل المتأخر

لقد رسخ المغرب نموذجا يعتمد على تفكيك الخطر قبل تحوله إلى حدث، عبر شبكات معلومات دقيقة، وقدرات تحليلية عالية، مما جعل الأجهزة المغربية قادرة على إفشال مخططات إرهابية معقدة داخل البلاد وخارجها. وتؤكد تقارير دولية، بما فيها التقارير الأمريكية حول الإرهاب، أن المغرب يعتمد تعاونا استخباراتيا فعالا وتشريعات صارمة لمواجهة التهديدات المتطرفة.

ثانيا: التموقع الدولي عبر الأمن كشراكة لا كحاجز

ما يميز التجربة المغربية أنها لم تنغلق داخل مفهوم “الأمن الوطني”، بل وسّعت دورها ليصبح جزءا من الأمن الإقليمي والأوروبي. ولهذا ينظر إلى المغرب داخل المؤسسات الأوروبية باعتباره شريكا استراتيجيا في مكافحة التطرف والراديكالية.

ثالثا: الأمن كأداة نفوذ دبلوماسي صامت

لقد تحول الأداء الأمني المغربي إلى مصدر تأثير سياسي غير مباشر. إذ إن الثقة الأمنية تولد الثقة الدبلوماسية، وتفتح للمغرب مواقع متقدمة داخل شبكات التعاون الدولي.

ولعل أبرز مثال حديث على ذلك، العملية التي أعلنت عنها السلطات النمساوية رسميا، بعد توقيف مشتبه به مرتبط بتنظيم “داعش”، بناء على معلومات دقيقة قدمتها الاستخبارات المغربية، وهو ما يعكس بوضوح أن المغرب لم يعد فقط مستهلكا للأمن، بل منتجا له ومساهمًا في حماية الآخرين.

وهكذا، يرسخ المغرب اليوم حقيقة استراتيجية جديدة،أن الأمن لم يعد مجرد درع دفاعي، بل أصبح صناعة سيادية للاستقرار، ورافعة للتموقع الدولي، ومنصة تأثير إقليمي داخل فضاء دولي مضطرب.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة