المغرب… عندما تتحول اليقظة الأمنية إلى معركة جيوسياسية ضد التغلغل الإيراني

المغرب… عندما تتحول اليقظة الأمنية إلى معركة جيوسياسية ضد التغلغل الإيراني

نجيب الأضادي

منذ سنوات ونحن نتحدث عن هذا الملف، بل إننا تناولناه منذ سنة 2024، وقبل ذلك منذ قرار المغرب قطع علاقاته مع إيران سنة 2018، حين كانت مؤشرات التغلغل الإيراني في شمال إفريقيا قد بدأت تتضح لمن يقرأ التحولات الاستراتيجية في المنطقة. يومها قلنا بوضوح إن ما يجري ليس مجرد توتر دبلوماسي عابر، بل هو مشروع نفوذ إقليمي تحاول طهران بناءه على حدود المغرب.

لقد كنا من السباقين إلى التنبيه إلى هذه المعطيات الأمنية والاستراتيجية، لأن المسألة لم تكن مرتبطة فقط بملف الصحراء، بل بمخطط أوسع يروم تحويل شمال غرب إفريقيا إلى مجال تمدد إيراني جديد.

خلال السنوات الأخيرة، شهدت المنطقة تصاعدا ملحوظا في محاولات التغلغل الإيراني، التي تعتمد في الغالب على أذرع غير رسمية مثل تنظيم حزب الله، وشبكات التمويل غير المشروع، ومسارات الاختراق المذهبي والثقافي، إضافة إلى العمل الاستخباراتي السري.

هذه الاستراتيجية ليست جديدة، فقد جُرّبت في العراق وسوريا واليمن ولبنان، لكن المغرب كان من الدول القليلة التي قرأت مبكرا هذا المخطط وتعاملت معه بصرامة سيادية واضحة.

في يناير 2024، أعادت حادثة توقيف مواطن لبناني ينتمي إلى حزب الله دخل المغرب بجوازات سفر مزورة طرح الأسئلة مجددا حول الأهداف الحقيقية لهذه الشبكات، فحزب الله معروف تاريخيا باستخدام أساليب التزوير والتمويه وبناء خلايا غير تقليدية في مناطق بعيدة عن ساحات الصراع المباشر.

لكن المسألة لا تتوقف عند عمليات التسلل الفردي، فالمؤشرات التي كشفتها التحقيقات المغربية خلال السنوات الماضية تؤكد وجود استراتيجية إيرانية متعددة الأبعاد في المنطقة، تقوم على ثلاثة محاور أساسية.

▪︎ أولا، الاختراق المذهبي والثقافي عبر نشر التشيع في شمال إفريقيا.

وقد حققت هذه المحاولات بعض التغلغل المحدود في دول المنطقة، خصوصا في الجزائر، بينما واجهت مقاومة قوية في المغرب الذي ظل متشبثا بهويته الدينية القائمة على المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والتصوف السني تحت إمارة المؤمنين.

▪︎ ثانيا، الاختراق السياسي والمالي، كما ظهر في محاولات سابقة مرتبطة بشخصيات وشبكات تمويل مرتبطة بإيران، من بينها قضية رجل الأعمال اللبناني قاسم تاج الدين سنة 2017، وهي القضية التي كشفت جانبا من شبكات التمويل المرتبطة بحزب الله.

▪︎ ثالثا، وهو الأخطر، البعد العسكري والأمني.

فالمغرب كشف سنة 2018 عن تورط إيران وحزب الله في تدريب وتسليح عناصر من جبهة البوليساريو، عبر قنوات تمتد بين بيروت والجزائر ومخيمات تندوف. وقد أكدت التحقيقات آنذاك وجود خبراء من حزب الله قدموا تدريبات عسكرية على استخدام الأسلحة المتطورة.

هذه المعطيات لم تكن مجرد اتهامات سياسية، بل قرائن استخباراتية دفعت الرباط إلى اتخاذ قرار سيادي حاسم بقطع العلاقات مع طهران.

ووفق شهادات من داخل دوائر التحليل الإيراني نفسها، فإن طهران كانت ترى في المغرب بوابة استراتيجية للوصول إلى مضيق جبل طارق، أحد أهم الممرات البحرية في العالم إلى جانب مضيق هرمز.

الفكرة لم تكن دعما سياسيا لما يسمى "القضية الصحراوية"، بل محاولة بناء نقطة نفوذ جيوسياسية قرب أوروبا، شبيهة بما فعلته إيران في باب المندب عبر الحوثيين.

التقارير الأمنية تحدثت عن سيناريو خطير، توريد طائرات مسيّرة انتحارية، تدريب عناصر في معسكرات حزب الله، نقل صواريخ قصيرة ومتوسطة المدى، وتحويل جنوب المغرب إلى قاعدة ضغط جيوسياسي يمكن استخدامها ضد المصالح الغربية أو الخليجية عند الحاجة.

بمعنى آخر، كان المخطط يقوم على تحويل الصحراء إلى منصة نفوذ إيراني على تخوم أوروبا.

لكن ما لم تحسب له طهران حسابا هو يقظة الدولة المغربية، فالمغرب لم يتعامل مع التهديد بمنطق رد الفعل، بل بمنطق الاستباق الاستراتيجي.

خلال السنوات الأخيرة، عززت الرباط شراكاتها الأمنية والعسكرية مع الولايات المتحدة وأوروبا، وطورت قدراتها الاستخباراتية والدفاعية، كما رفعت مستوى التنسيق الدولي في مكافحة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود.

كما أن المغرب نجح في إحباط محاولات تسليح البوليساريو، وطور منظومات دفاع جوي متقدمة، ما جعل أي سيناريو لتحويل المنطقة إلى قاعدة نفوذ إيراني مغامرة عسكرية خاسرة مسبقا.

اليوم، يتضح أكثر من أي وقت مضى أن المعركة لم تكن فقط دفاعا عن وحدة المغرب الترابية، بل كانت أيضا معركة لحماية التوازن الجيوسياسي في شمال غرب إفريقيا.

فالمغرب لا يدافع فقط عن حدوده، بل يقف أيضا كسد استراتيجي أمام مشروع توسع إيراني كان يسعى للوصول إلى ضفاف الأطلسي.

ولهذا السبب تحديدا، فإن دعم المغرب لا يجب أن يُقرأ في إطار علاقات ثنائية تقليدية، بل في إطار معادلة أمنية أوسع تتعلق باستقرار المتوسط وأمن الملاحة الدولية.

إن ما كشفته السنوات الأخيرة يؤكد حقيقة واضحة، المغرب لم يكن يبالغ عندما دق ناقوس الخطر مبكرا.

بل كان ببساطة يقرأ الخريطة الاستراتيجية للمنطقة قبل الآخرين.

واليوم، بعد أن تكشفت خيوط كثيرة من هذا الملف، يتضح أن الرباط لم تكن فقط تدافع عن مصالحها الوطنية، بل كانت تحمي توازنا إقليميا كاملا من مشروع نفوذ عابر للقارات.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة