فاتح ماي: حين يصير الزمن ساحة صراع

فاتح ماي: حين يصير الزمن ساحة صراع

الطاهر كردلاس


الأول من ماي ليس مجرد تاريخ عابر في الروزنامة، ولا عطلة موسمية تُرفع فيها الرايات ثم تُطوى في اليوم التالي، بل هو ذاكرة إنسانية كثيفة يطل منها التاريخ بوجهه العاري: صراع طويل بين العمل ورأس المال، بين اليد التي تبني والعقل الذي يخطط، بين من يملك وسائل الإنتاج ومن لا يملك سوى جهده ووقته. لقد وُلد هذا اليوم من رحم المعاناة حين خرج العمال في شيكاغو سنة 1886 مطالبين بثماني ساعات عمل بدل الاستنزاف الوحشي الذي فرضته المصانع الحديثة، فتحول منذ ذلك الحين إلى رمز عالمي للكرامة الاجتماعية وحق الإنسان في ألا يتحول إلى آلة.


العمل، في جوهره الفلسفي، ليس أجرًا مقابل تعب، بل هو الطريقة التي ينحت بها الإنسان وجوده داخل المادة والزمن. إنه الجسر الذي يعبر به الكائن من الطبيعة الخام إلى العالم الإنساني. رأى كارل ماركس أن العمل فعل خلاق يحقق به الإنسان ذاته، لكنه داخل النظام الرأسمالي ينقلب إلى اغتراب؛ إذ يصبح العامل غريبًا عن نتاجه، ويغدو ما يصنعه ملكًا لغيره، بينما يتحول هو إلى ترس صغير داخل آلة ضخمة. أما جورج فيلهلم فريدريش هيغل فاعتبر العمل أداة تشكل الوعي وتحرر الإنسان من خضوعه للطبيعة. في حين ميزت حنّة أرندت بين الكدح الذي يستهلكنا من أجل البقاء، والعمل الذي يبني عالمًا مستقرًا، والفعل السياسي الذي يمنحنا الحرية. ومأساة العصر الحديث، في نظرها، أنه اختزل هذه الأبعاد كلها في كدح لا ينتهي.


سياسيًا، الأول من ماي شهادة ميلاد للحقوق المنتزعة لا الممنوحة. لا شيء جاء طواعية: لا يوم الراحة، ولا الضمان الاجتماعي، ولا الحد الأدنى للأجور، ولا حق الإضراب. كل سطر في قانون الشغل كُتب بعرق عامل، أو بصرخة مضرب، أو بدم سقط في ساحة الاحتجاج. فالرأسمالية لا تشتري عضلات العامل فقط، بل تشتري ساعات عمره مقسمة بدقة. ولذلك كانت المطالبة بثماني ساعات عمل إعلانًا عميقًا: للإنسان حق في وقت لا يكون فيه سلعة، وحق في حياة لا تُقاس كلها بالإنتاج.


غير أن صورة العامل تغيرت ولم ينته الاستغلال، بل بدّل قناعه. كان العامل بالأمس يواجه رب عمل يملك المصنع، أما اليوم فيواجه خوارزمية صامتة تراقب الأداء، تحدد الدخل، وتستبدل الإنسان بتقييم رقمي أو نجمة واحدة. صار العامل موظفًا رقميًا، وسائق تطبيقات، وعامل توصيل، ومستخدمًا هشًا داخل اقتصاد المنصات. تحولت السلطة من مراقب مباشر إلى كود غير مرئي، ومن قهر خشن إلى استنزاف ناعم يُقدَّم في صورة حرية فردية. في الماضي كان العمال يتحدثون بلغة "نحن"، أما اليوم فكثيرًا ما يُدفعون إلى لغة "أنا"، فتتفتت الروابط ويضعف التضامن.


وفي العالم العربي، كثيرًا ما يتحول عيد العمال إلى طقس خطابي تتكرر فيه الكلمات نفسها، بينما يعيش العامل بين ضعف الأجور، وغلاء المعيشة، وهشاشة الحماية الاجتماعية. يصبح الأول من ماي مرآة تكشف الفجوة بين النصوص القانونية والواقع المعيش، بين الوعود الرسمية وخبز آخر الشهر.
لكن السؤال الأعمق يقترب بخطى سريعة: ماذا لو سرقت الآلة العمل نفسه؟ ماذا لو صار الذكاء الاصطناعي قادرًا على الإنتاج والتخطيط والبناء أكثر من الإنسان؟ لمن ستذهب الثروة؟ وكيف سيعرف الإنسان نفسه إذا لم تعد المهنة هويته؟ هنا ينتقل النقاش من الحق في العمل إلى الحق في الدخل، ومن مطلب الأجر العادل إلى مطلب إعادة توزيع الثروة والمعنى معًا. وقد يصبح الأول من ماي مستقبلًا عيدًا لتحرير الإنسان من عبودية العمل، لا مجرد عيد للعمل.


إن الأول من ماي، في النهاية، ليس احتفالًا مهنيًا فحسب، بل سؤال ميتافيزيقي يتجدد كل عام: هل الإنسان غاية، أم مجرد كلفة إنتاج يجب تقليصها؟ فإذا كان التاريخ قد صنعته سواعد العمال، فإن مستقبل التاريخ سيتحدد بقدرتنا على جعل الاقتصاد في خدمة الإنسان لا الإنسان في خدمة الاقتصاد. وعندما يصبح العمل طريقًا للكرامة لا أداة للاستنزاف، والثروة وسيلة للعدالة لا سلاحًا للهيمنة، آنذاك فقط يمكن القول إن الإنسان انتصر على الآلة التي صنعها، وعلى الجشع الذي صنعته نفسه.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة