الإمبريالية الرقمية أو العبودية الجديدة

الإمبريالية الرقمية أو العبودية الجديدة

عبد الغفور مغوار

المقدمة

تخيل أنك تستيقظ صباحا فتمد يدك إلى هاتفك قبل أن تمد يدك إلى فنجان قهوتك. تتصفح أخبارا اختارتها لك الخوارزمية، وتشتري منتجا أوحت لك به إعلانات تتبعت اهتماماتك، وتصوت في انتخابات شكلت رأيك فيها منصات لا تعرف أصحابها. هذا مشهد يومي عادي في حياة مليارات البشر في القرن الحادي والعشرين.

في هذا العالم الذي باتت فيه البيانات أثمن من النفط والانتباه أندر من الوقت، ظهر مفهوم الإمبريالية الرقمية ليصف شكلا جديدا من أشكال الهيمنة، هيمنة لا تحتاج إلى جيوش ولا إلى مستعمرات، لأنها تكتفي بخوارزمية وبروتوكول وشروط استخدام لا يقرأها أحد. وقد ذهب بعض المفكرين، كالباحثة الأمريكية شوشانا زوبوف في كتابها "عصر رأسمالية المراقبة" (2019)، إلى أن ما يجري اليوم لا يختلف في جوهره عن استعمار الموارد الطبيعية الذي ميز القرون الماضية، غير أن المورد المستعمر هذه المرة هو الإنسان ذاته: سلوكه، وعواطفه، وقراراته.

ولعل تعبير "العبودية الجديدة" الوارد في عنوان هذه المقالة يبدو صادما، لكنه مقصود. فالعبد القديم كان يعمل بلا أجر لصالح سيده. أما مستخدم الإنترنت اليوم فينتج يوميا كميات هائلة من البيانات القيمة، ويولد إيرادات إعلانية ضخمة، دون أن يتلقى في المقابل سوى وهم الخدمة "المجانية". والفارق الجوهري أن العبودية القديمة كانت مرئية ومقاومة، في حين أن هذه العبودية الجديدة غير مرئية، والفظيع في الأمر أنها محبوبة ومقبل عليها طوعا.

تطرح هذه المقالة إشكالية محورية: كيف تحولت التكنولوجيا الرقمية من أداة للتحرر إلى آلية للسيطرة، ومن يستفيد من هذه السيطرة، وكيف يمكن مقاومتها؟
للإجابة عن هذه الإشكالية، سنتناول في ما يلي: آليات عمل الإمبريالية الرقمية، والجهات الفاعلة فيها من شركات وحكومات وقوى عالمية، ثم آثارها على الخصوصية والاستقلالية والصحة النفسية، فسبل الحماية منها، وأخيرا استشراف المستقبل وتقديم التوصيات.

المحور الأول: كيف تعمل الإمبريالية الرقمية؟
لا تعمل الإمبريالية الرقمية بالقوة الصريحة، فهي تعمل بالإغراء والتصميم والتوجيه الخفي. ثمة ثلاث آليات رئيسية تشكل معا منظومة متكاملة للسيطرة: استخراج البيانات، والاستحواذ على الانتباه، والتأثير في الرأي العام.

1- استخراج البيانات: التعدين في مناجم الإنسان
إذا كان النفط هو الذهب الأسود للقرن العشرين، فإن البيانات هي الذهب الرقمي للقرن الحادي والعشرين. غير أن ثمة فارقا جوهريا: النفط يستخرج من الأرض، أما البيانات فتستخرج من الإنسان، من سلوكه وعلاقاته وأفكاره وأحاسيسه، وغالبا دون أن يدرك ذلك.

كل نقرة، كل بحث، كل توقف أمام صورة، كل مسار تسير فيه في المدينة، كل محادثة تجريها عبر الإنترنت، هي في الحقيقة بيانات تجمع وتحلل وتباع. وتتوزع هذه البيانات على ثلاثة أنواع رئيسية:

أ) البيانات الديموغرافية: كالعمر والجنس والموقع الجغرافي والمستوى التعليمي والحالة الاجتماعية. وهي أبسط أنواع البيانات وأقلها خطورة بمفردها.

ب) البيانات السلوكية: وهي الأكثر قيمة تجاريا، تشمل المواقع التي تزورها، والمنتجات التي تتصفحها دون أن تشتريها، والمقالات التي تقرأها حتى النهاية، والفيديوهات التي تشاهدها مرتين. هذه البيانات تكشف عن نمط حياتك وأولوياتك بدقة تفوق أحيانا ما تعرفه أنت عن نفسك.

ج) البيانات النفسية والاستنتاجية: وهي الأخطر، فمن خلال تحليل مجموع سلوكياتك، تستطيع الخوارزميات الحديثة استنتاج ميولاتك السياسية، وحالتك النفسية، ومخاوفك، وطموحاتك، وحتى نواياك المستقبلية قبل أن تتحول إلى أفعال. أظهرت دراسة شهيرة نشرتها جامعة كامبريدج عام 2013 أن تحليل 68 "إعجابا" فقط على Facebook كاف للتنبؤ بالتوجه السياسي للمستخدم بدقة تبلغ 85%، وبديانته بدقة 82%، وبتوجهه الجنسي بدقة % 88 (Kosinski et al., 2013).

أما قنوات الجمع فمتعددة ومتشابكة: التطبيقات والمنصات التي تطلب صلاحيات تتجاوز حاجتها الفعلية، وملفات تعريف الارتباط (Cookies) التي ترسم خريطة كاملة لتصفحك عبر الإنترنت، والأجهزة الذكية المتصلة بالإنترنت (IoT) من هاتف وساعة ومكبر صوت ذكي وحتى ثلاجة، وتطبيقات الخرائط التي تسجل تنقلاتك اليومية.

والنموذج الاقتصادي القائم على هذا الاستخراج ضخم بصورة مذهلة. فقد بلغت إيرادات شركة  Alphabet، الشركة الأم لـ  Google، 257.6 مليار دولار عام 2021، يمثل الإعلان المبني على بيانات المستخدمين نحو 82% منها (Alphabet Inc., Rapport annuel, 2021).  ما يعني أن كل عملية بحث تقوم بها، وكل موقع تزوره، تسهم في تدفق ثروة لا ترى منها شيئا.

وقد وصفت الباحثة شوشانا زوبوف هذا النموذج بـ "رأسمالية المراقبة " (Capitalisme de surveillance)، معرفة إياه بأنه منطق اقتصادي يقوم على التقاط التجربة الإنسانية الخام وتحويلها إلى بيانات سلوكية تباع في أسواق خفية لتمويل التنبؤ بالسلوك البشري والتحكم فيه (Zuboff, 2019) .

والفارق بين هذا التعريف وأي تعريف آخر هو كلمة "التحكم": فالأمر لا يتوقف عند فهم سلوكنا، بل يمتد إلى توجيهه.

2- الاستحواذ على الانتباه: اقتصاد العقول
إذا كانت البيانات هي المادة الخام، فإن الانتباه هو المحرك الأساسي لعجلة الإمبريالية الرقمية. فلا قيمة لإعلان لا يراه أحد، ولا ربح من منصة لا يقضي فيها أحد وقته. ولهذا، أصبح الانتباه البشري موضوع تنافس شرس بين آلاف التطبيقات والمنصات الرقمية، في ما بات يعرف بـ "اقتصاد الانتباه " (Économie de l'attention)، وهو مفهوم تعود جذوره إلى أعمال هيربرت سيمون، الذي نبه مبكرا إلى أن وفرة المعلومات تؤدي إلى ندرة الانتباه، قبل أن يتحول هذا التصور إلى نموذج اقتصادي مهيمن في عصر المنصات الرقمية.

وتعتمد الشركات في هذا السياق على ما يمكن تسميته "هندسة الإدمان"، وهي منظومة من التقنيات المصممة لتحويل استخدام التطبيق من عادة إلى حاجة. ومن أبرز هذه التقنيات:
أ) التمرير اللانهائي: (Infinite Scroll)  الذي طوره المصمم آزا راسكن سنة 2006، يقوم على إزالة نقاط التوقف الطبيعية في التصفح، مما يجعل تدفق المحتوى مستمرا بلا نهاية. وقد أثيرت لاحقا انتقادات ضمن نقاشات أخلاقيات التصميم الرقمي، حيث ينظر إلى هذا النمط كواحد من الآليات التي تسهم في استنزاف انتباه المستخدمين وإطالة زمن بقائهم داخل المنصات.

ب) المكافآت العشوائية: (Variable Rewards)  تقوم هذه الآلية المستمدة من علم النفس السلوكي، على مبدأ التعزيز المتقطع الذي درسه ب. ف. سكينر، حيث يكون السلوك أكثر ثباتا عندما تأتي المكافأة بشكل غير متوقع. وقد استثمر هذا المبدأ في تصميم المنصات الرقمية، إذ يدفع المستخدم إلى تكرار أفعال مثل تحديث الخلاصة أو التمرير المستمر، ترقبا لمكافأة محتملة كإعجاب أو تعليق أو محتوى جديد.

ج) الإشعارات المتواصلة: التي تعيد سحبك إلى التطبيق كلما حاولت الابتعاد عنه، مستغلة نفس آليات الإدمان العصبية.

د) التخصيص الآني: إذ يتعلم التطبيق في الوقت الفعلي ما يستوقفك وما يمرره ويقدم لك المزيد منه، في حلقة مغلقة تجعل كل جلسة أكثر إدمانا من السابقة.

وصف تريستان هاريس، وهو أحد مسؤولي أخلاقيات التصميم السابقين في Google، هذه الآليات بأنها تسعى إلى "اختطاف انتباه المستخدمين"، مشيرا إلى أن الشركات التقنية توظف فرقا متعددة التخصصات لفهم كيفية تعظيم التفاعل. وقد أسس لاحقا مركز التكنولوجيا الإنسانية (Center for Humane Technology) للدعوة إلى تصميم رقمي أكثر أخلاقية.

وفي السياق نفسه، أفادت دراسة صادرة عن Common Sense Media (2016) بأن نحو نصف المراهقين الأمريكيين يصرحون بشعورهم بالإدمان على هواتفهم، وهو ما يعكس التأثير المتزايد لآليات التصميم القائمة على جذب الانتباه.
-3 التأثير في الرأي العام : من توجيه الاستهلاك إلى توجيه الديمقراطية

أخطر ما في الإمبريالية الرقمية أنها بالإضافة لسرقة وقتك أو بيع بياناتك، تمتد إلى ما هو أعمق: تشكيل طريقة تفكيرك، وتوجيه قراراتك السياسية، وإعادة رسم خريطة قناعاتك الاجتماعية.

أ) غرف الصدى وفقاعات الفلترة
حين تحدد خوارزميات Facebook وYouTube المحتوى المعروض للمستخدم، فإنها  تفعل ذلك وفق نماذج تنبؤية تهدف إلى تعظيم التفاعل وزمن البقاء. ويترتب على ذلك أن المستخدم يتعرض تدريجيا لمحتوى يتوافق مع اهتماماته ومواقفه السابقة، مما قد يؤدي إلى تضييق نطاق التنوع المعرفي. وقد وصف Eli Pariser هذه الظاهرة سنة 2011 بمفهوم "فقاعة الفلترة". (Filter Bubble)
وفي السياق نفسه، أشار Neal Mohan خلال مؤتمر CES 2018 إلى أن أكثر من 70% من وقت المشاهدة على YouTube يأتي من أنظمة التوصية، وهو ما يعكس الدور المتزايد للخوارزميات في توجيه استهلاك المحتوى.

ب) التلاعب السياسي الرقمي:

لم تعد هذه الآليات مقتصرة على المجال التجاري، فقد امتدت إلى المجال السياسي، حيث كشفت تحقيقات صحفية أجرتها The Guardian  وThe New York Times  سنة 2018 أن شركة Cambridge Analytica حصلت على بيانات ما يصل إلى 87 مليون مستخدم على Facebook دون موافقة صريحة، واستخدمتها في بناء نماذج استهداف دعائي خلال الانتخابات الأمريكية لعام 2016 واستفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
ورغم الجدل القائم حول حجم التأثير الفعلي لهذه الممارسات، فإن القضية أبرزت الإمكانات الكبيرة التي تتيحها أدوات الاستهداف الرقمي، والتي أصبحت -بدرجات متفاوتة- متاحة ضمن أنظمة الإعلان على منصات التواصل الاجتماعي.

ج) من التضليل إلى "التزييف العميق: "
مع تطور الذكاء الاصطناعي، أصبح بمقدور الجهات المضللة إنتاج مقاطع فيديو ومقاطع صوتية "مزيفة عميقا"، لا يكاد يميزها المشاهد العادي عن الحقيقة، وهو تطور ينذر بتحول حاد في طبيعة الحرب المعلوماتية في المستقبل المنظور.

المحور الثاني: الجهات الفاعلة: الشركات التكنولوجية، الحكومات، القوى العالمية


لا تنشأ الإمبريالية الرقمية في فراغ، ولا هي نتاج تطور تقني عفوي، فهي منظومة مصالح متشابكة تديرها جهات فاعلة بعينها، كل منها يسعى إلى تعظيم نفوذه وفق منطقه الخاص. وفهم هذه الجهات ضروري لفهم بنية السيطرة الرقمية ومظاهرها.

1- الشركات التكنولوجية الكبرى: رأسمالية المراقبة في العمل

حين تفتح تطبيقا "مجانيا"، فأنت لا تستهلك منتجا، إنك تنتجه. هذه المفارقة تختصر النموذج الاقتصادي الذي تقوم عليه أكبر شركات التكنولوجيا في العالم Google :وMeta (Facebook)  وAmazon  وApple  و.Microsoft  فهذه الشركات، تتوهم نفسك أنها تبيعك خدمة بالمعنى الكلاسيكي، في حين فهي تستخدمك مصدرا للمادة الخام الأكثر قيمة في القرن الحادي والعشرين، وهي بياناتك السلوكية كما أسلفنا الإشارة.
وقد وصفت شوشانا زوبوف هذا النموذج في كتابها "عصر رأسمالية المراقبة" (2019) بأنه يقوم على ما أسمته "الفائض السلوكي"، أي أن الشركات تجمع من بيانات المستخدمين أكثر مما يلزم لتقديم الخدمة، ثم تحول هذا الفائض إلى "منتجات تنبؤية" تُتداول في ما تسميه "أسواق المستقبل السلوكي"، حيث تباع القدرة على توقع السلوك البشري.

غير أن الطابع المميز لهذا النموذج يتجاوز التنبؤ، ليمتد إلى محاولة توجيه السلوك والتأثير في احتمالات حدوثه من خلال تصميم البيئات الرقمية.

أ) تركز السوق وتداعياته 
تمارس بعض الشركات الرقمية الكبرى درجة عالية من الهيمنة على مفاصل أساسية في البيئة الرقمية. فعلى سبيل المثال، يستحوذ محرك البحث Google على نحو 90% من سوق البحث العالمي وفق بيانات StatCounter (2023)، وهي نسبة تعكس تركزا سوقيا مرتفعا. وقد تعزز هذا التوصيف بقرار قضائي مهم في قضية United States v. Google LLC، حيث خلص القاضي أميت ميهتا في أغسطس 2024 إلى أن الشركة تحتكر سوق البحث العام وقد اتخذت إجراءات للحفاظ على هذا الوضع. ويعتبر هذا الحكم من أبرز قضايا مكافحة الاحتكار في قطاع التكنولوجيا منذ قضية Microsoft عام 1998.

ب) النموذج الاقتصادي بالأرقام
بلغت، كما أسلفنا الذكر، إيرادات شركة  Alphabet، الشركة الأم لـ Google، عام 2021 نحو 257.6 مليار دولار، وذلك وفق تقريرها السنوي لدى U.S. Securities and Exchange Commission. وكما جاء في نفس التقرير فإن ما يقارب 80% منها من الإعلانات الرقمية المعتمدة على البيانات.

وهذا يعني أن كل استعلام بحثي تقوم به، وكل موقع تزوره، يغذي آلة تحقيق ربح لا ترى منها أنت كمستخدم قرشا واحدا.

ج) التأثير على المحتوى والديمقراطية
ما يميز هذه الشركات عن الاحتكارات الصناعية التقليدية هو أنها إلى جانب تحكمها في الإنتاج، فهي تتحكم في الوصول إلى المعرفة أيضا. فخوارزميات Facebook وYouTube تقوم بترتيب المحتوى وتحديد مدى ظهوره، مما يمنحها تأثيرا تحريريا واسع النطاق يفوق، في امتداده، المؤسسات الإعلامية التقليدية. غير أن هذه المنصات تعمل ضمن أطر قانونية تختلف عن تلك التي تحكم الناشرين، وهو ما يثير نقاشا متزايدا حول حدود مسؤوليتها.
وقد أبرزت -كما سبقت الإشارة إلى ذلك- فضيحة Cambridge Analytica سنة 2018 جانبا من هذه القوة، حين كشف أن بيانات نحو 87 مليون مستخدم على Facebook استخدمت في بناء نماذج استهداف سياسي خلال الانتخابات الأمريكية واستفتاء خروج بريطانيا، وذلك وفق تحقيقات The Guardian وThe New York Times.

وما يزيد من إشكالية هذا النموذج ما كشفت عنه تسريبات داخلية من Facebook نشرتها صحيفة The Wall Street Journal سنة 2021، حيث أظهرت وثائق الشركة أن خوارزمياتها تميل إلى ترجيح المحتوى الذي يثير تفاعلات قوية، بما في ذلك المحتوى المثير للانقسام أو الانفعال، نظرا لدوره في زيادة التفاعل وزمن الاستخدام. وقد أشارت هذه الوثائق إلى أن هذا المنطق قد يؤدي، في بعض الحالات، إلى تضخيم محتوى مضلل أو ضار.

2- الحكومات: بين مراقبة المواطن وتنظيم الشركات
تقف الحكومات في موقع مزدوج وملتبس داخل منظومة الإمبريالية الرقمية: فهي من جهة ضحية لتمدد سلطة الشركات التكنولوجية على الفضاء العام، ومن جهة أخرى طرف فاعل يستخدم هذه التكنولوجيا ذاتها أداة للمراقبة والسيطرة على المواطنين.

أ) المراقبة الحكومية: حين تصبح الدولة عينا لا تغمض
كشف إدوارد سنودن، المتعاقد السابق مع وكالة الأمن القومي الأمريكية (NSA)، في يونيو 2013 عن برامج مراقبة جماعية، من خلال وثائق سرية نشرتها صحيفتا The Guardian و.The Washington Post  ومن أبرز هذه البرامج PRISM، الذي أتاح للوكالة الوصول إلى بيانات مستخدمين من شركات تكنولوجيا كبرى، في إطار آليات قانونية لجمع المعلومات. كما كشفت الوثائق عن جمع سجلات اتصالات لملايين عملاء شركة. وقد نال الصحفيون المشاركون في هذا الكشف جائزة بوليتزر عام 2014.

وعلى الجانب الآخر، طورت الصين نموذجا مختلفا يعرف بنظام "الائتمان الاجتماعي، وهو منظومة متعددة المستويات، كما يوضح الباحث روجيه كريمرز، تعكس توجها نحو رقمنة الحوكمة وربط السلوك الفردي بآليات تقييم رقمية.

ب) التنظيم الحكومي: درع أم واجهة؟
في مواجهة هذه الظاهرة، تتباين مقاربات الحكومات بشكل ملحوظ. ويعتبر الاتحاد الأوروبي من أكثر الفاعلين جرأة على المستوى التشريعي، حيث دخلت اللائحة العامة لحماية البيانات (GDPR) حيز التنفيذ في مايو 2018، على أنها من أكثر الأطر صرامة في مجال حماية البيانات الشخصية. فهي تفرض على الشركات التزامات بالشفافية، وتمنح الأفراد حقوقا موسعة في الوصول إلى بياناتهم وتصحيحها وحذفها، كما تتيح فرض غرامات قد تصل إلى 4% من الإيرادات السنوية العالمية أو 20 مليون يورو.

وقد أسهم هذا الإطار في إحداث تغييرات ملموسة في سياسات الخصوصية لدى شركات كبرى، كما ألهم تشريعات في عدة دول. غير أن فعاليته تظل محل نقاش، نظرا لاستمرار الفجوة بين النص والتطبيق، واعتماد بعض الشركات على استراتيجيات امتثال شكلية، مثل تعقيد شروط الاستخدام، بدل إعادة النظر في نماذجها الاقتصادية القائمة على البيانات.

3- القوى العالمية: الصراع على الهيمنة الرقمية والجنوب في المنتصف
ما يجعل الإمبريالية الرقمية أكثر تعقيدا وخطورة هو أنها لا تخضع لقطب واحد. إننا نشهد اليوم تنافسا حادا بين قطبين رئيسيين - الولايات المتحدة والصين - على الهيمنة الرقمية العالمية، وهو تنافس لا يشبه في طبيعته الحروب التجارية التقليدية بقدر ما يشبه صراعا على تعريف الإنترنت ذاتها وقيمها ومعاييرها.

أ) نموذجان رقميان متصادمان
يتمحور النموذج الأمريكي حول شركات خاصة كبرى تعمل ضمن منطق السوق، لكنها تمارس نفوذا واسعا على البنية التحتية الرقمية العالمية، من أنظمة التشغيل إلى المنصات والخدمات السحابية. في المقابل، يقوم النموذج الصيني على دور مركزي للدولة، حيث تعمل الشركات التكنولوجية الكبرى ضمن إطار تنظيمي واستراتيجي تقوده الحكومة، وتسهم في تصدير هذا النموذج عبر "طريق الحرير الرقمي" ضمن مبادرة الحزام والطريق.
وقد تجسد هذا التنافس بوضوح في عام 2019، حين أدرجت إدارة ترامب شركة Huawei على قائمة الكيانات المقيدة، مما حد من وصولها إلى التكنولوجيا الأمريكية وأثر بشكل كبير على نشاطها الدولي. ومع ذلك، أعادت الشركة التموقع بدعم محلي، رغم استمرار القيود. ثم وسعت إدارة بايدن هذه السياسات، خاصة في مجالات أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي، في إطار تصاعد التنافس التكنولوجي بين القوتين.

ب) دول الجنوب: ضحية التنافس أم شريكة فيه؟
تجد دول الجنوب العالمي نفسها في موقع معقد ضمن هذا المشهد، إذ تعتمد على بنى تحتية رقمية لا تملكها بالكامل، سواء عبر المنصات الأمريكية التي تدير تدفقات البيانات والمحتوى، أو عبر الشركات الصينية التي توفر البنية التحتية للاتصالات. ويطرح هذا الوضع تحديات حقيقية تتعلق بالسيادة الرقمية.

وقد وصف هذا السياق في بعض الأدبيات النقدية بمفهوم "الاستعمار الرقمي"، حيث يترتب على الاندماج في الاقتصاد الرقمي العالمي قبول شروط تحددها قوى خارجية، في حين يحمل الانعزال كلفة تنموية مرتفعة. وفي هذا الإطار، يشير الباحث مايكل كويت إلى أن النماذج العالمية المختلفة - الأمريكي، والصيني، والأوروبي- تمارس أشكالا متباينة من النفوذ، سواء عبر الشركات أو البنية التحتية أو المعايير التنظيمية، وهو ما يترك دول الجنوب في موقع تفاوضي غير متكافئ في كثير من الحالات.

ومن هنا يتضح أن جوهر الإمبريالية الرقمية يتعدى امتلاك البيانات أو المنصات، ليمتد إلى السيطرة على المعايير والقواعد التي تنظم الفضاء الرقمي العالمي.

المحور الثالث: الآثار على الشعوب: الخصوصية، الاستقلالية، الصحة النفسية

إذا كانت المحاور السابقة قد رصدت آليات الإمبريالية الرقمية وجهاتها الفاعلة، فإن هذا المحور يعنى بالجانب الأكثر إنسانية وإيلاما: ما الذي تفعله فعلا في حياة البشر؟ والإجابة لا تقتصر على البيانات والأرقام، إذ أنها تمتد إلى مس الكرامة الإنسانية في أدق تجلياتها: الحق في الخصوصية، والقدرة على الاختيار الحر، والصحة النفسية.

1- انتهاكات الخصوصية: حين يصبح الإنسان زجاجا
الخصوصية هي الشرط الوجودي للكرامة الإنسانية. فبدون خصوصية، لا يوجد فضاء للتفكير الحر، ولا للتعبير الصادق، ولا للهوية المستقلة. وهذا تحديدا ما يجعل الاعتداء عليها جوهر الإمبريالية الرقمية.

أ) من الانتهاك الاستثنائي إلى المراقبة الهيكلية
لم تكن أهمية تسريبات إدوارد سنودن في ما كشفته من برامج بعينها، بقدر ما كشفت عنه من تحول نوعي في منطق المراقبة: من تتبع مشتبه بهم محددين إلى جمع واسع للبيانات كشرط أولي للفهم والتصنيف. وبهذا المعنى، لم يعد الفرد يراقب بسبب سلوكه، إذ أن سلوكه نفسه أصبح يعاد تشكيله داخل فضاء دائم من الرصد والتحليل.

وتكشف هذه التسريبات أيضا أن المراقبة الجماعية لم تعد ممارسة استثنائية مرتبطة بحالات الحرب أو الطوارئ، فقد أصبحت جزءا من البنية الهيكلية للدولة الحديثة، حيث يتم جمع البيانات أولا ثم فرزها وتصنيف أصحابها لاحقا، في انتقال من منطق "المشتبه به" إلى منطق "المجتمع المرصود".

ب) الخصوصية كسلطة
تمثل الخصوصية في جوهرها شكلا من توازن القوة القائم على توزيع المعرفة. فعندما تمتلك المؤسسات قدرا واسعا من المعلومات عن الأفراد، وبينما يظل الأفراد محدودي المعرفة بآليات جمع ومعالجة تلك البيانات، ينشأ اختلال بنيوي في العلاقة بين الطرفين.

وقد أشار الباحثون إلى أن هذا الاختلال يؤدي إلى ظاهرة "الرقابة الذاتية"، حيث يعدل الأفراد سلوكهم وتعبيراتهم بمجرد إدراكهم لاحتمال المراقبة، حتى في غياب رقابة مباشرة.
وتجد هذه الفكرة جذورها في نموذج "البانوبتيكون" الذي صاغه جيريمي بنثام، والذي أصبح لاحقا إطارا نظريا لفهم أشكال جديدة من الرقابة في السياقات الرقمية المعاصرة.

2- تقليص الاستقلالية: حين يفكر الآخرون نيابة عنك
الاستقلالية - القدرة على اتخاذ قرارات حرة مبنية على معلومات متوازنة وغير موجّهة - هي جوهر الكرامة الإنسانية الحديثة. غير أن الإمبريالية الرقمية تعمل على تقويض هذا الأساس عبر تشكيل البيئة المعلوماتية التي يتخذ فيها الفرد قراراته.

أ) من فقاعة الفلترة إلى غرف الصدى
فحين تتحكم الخوارزميات في المحتوى المعروض، فإنها لا تقدم "العالم" كما هو، ولكن تقدم نسخة مصاغة منه تهدف إلى تعظيم التفاعل وإبقاء المستخدم داخل المنصة. وقد صاغ Eli Pariser هذا التحول سنة 2011 بمفهوم "فقاعة الفلترة"، حيث يتعرض كل مستخدم لبيئة معلوماتية مخصصة تعزز قناعاته السابقة. وفي السياق نفسه، تشير بيانات منصات مثل YouTube إلى أن جزءا كبيرا من زمن المشاهدة يوجه عبر أنظمة التوصية.

ب) التلاعب السياسي: الديمقراطية في مواجهة الخوارزمية
فضيحة Cambridge Analytica التي أشير إليها آنفا لا تمثل فقط انتهاكا للخصوصية، فهي تمثل هجوما مباشرا على آلية الديمقراطية ذاتها. فحين تصمم رسائل انتخابية مستهدفة بناء على الملف النفسي لكل ناخب على حدة - مستغلة مخاوفه الشخصية وتحيزاته المعرفية - فإن الانتخاب لم يعد تعبيرا عن إرادة حرة، إذ باتت الإرادة ذاتها موضع تشكيل وتوجيه مسبق.

ج) الثقافة الرقمية الموحدة والهيمنة اللغوية
بعد آخر لانتهاك الاستقلالية يكاد يغيب عن النقاشات: هيمنة الإنترنت الإنجليزية الناطقة على تصنيف المعلومات وترتيب أولوياتها. فمحركات البحث لا تعكس "المعرفة الإنسانية" بصورة محايدة، لأنها تعكس في المقام الأول المحتوى المكتوب بالإنجليزية والمرتبط بالبنية التحتية الغربية. وهذا يعني أن ثلاثة أرباع البشرية يطالعون العالم من خلال نافذة لغوية وثقافية لا تمثل تجاربهم وقيمهم بالقدر الكافي، وهو شكل خفي لكنه عميق من أشكال هدر الاستقلالية الثقافية.

3- الصحة النفسية: الجيل القلق
إن الآثار النفسية لوسائل التواصل الاجتماعي من أكثر المجالات جدلا في البحث العلمي المعاصر، حيث لا تزال العلاقة السببية المباشرة محل نقاش، رغم وجود مؤشرات متزايدة على تأثيرات سلبية محتملة على فئات من المراهقين.
وقد لاحظ Jean Twenge وJonathan Haidt  تزامنا بين انتشار الهواتف الذكية وارتفاع معدلات القلق والاكتئاب وإيذاء النفس لدى المراهقين منذ بداية العقد الثاني من الألفية. كما تشير دراسات مسحية مثل Common Sense Media (2016)  إلى أن نحو نصف المراهقين يشعرون بإدمانهم على هواتفهم، وهو تعبير عن إدراك ذاتي أكثر منه تشخيصا طبيا.

في حين، تنبه دراسات نقدية حديثة، مثل مقالة Candice Odgers في Nature (2024)، إلى أن الأدلة الطولية لا تثبت علاقة سببية حاسمة، نظرا لتداخل العوامل الجينية والاجتماعية والبيئية.

ومع ذلك، يتفق عدد من الباحثين على وجود ارتباط بين الاستخدام المفرط لوسائل التواصل وتدهور الصحة النفسية، خاصة لدى المراهقين. وتعزى هذه العلاقة المحتملة إلى آليات متعددة، من بينها المقارنة الاجتماعية المستمرة، والتقييم الفوري عبر التفاعل الرقمي، واضطرابات النوم، والتعرض للتنمر الإلكتروني. وقد دعمت وثائق داخلية أوردتها The Wall Street Journal (2021)  هذا الاتجاه، مشيرة إلى تأثيرات سلبية محتملة على صورة الجسد لدى المراهقات.
في المقابل، يظل البحث في هذا المجال منحازا جغرافيا نحو المجتمعات الغربية، رغم أن غالبية مستخدمي هذه المنصات ينتمون إلى دول الجنوب العالمي، ما يكشف فجوة معرفية تؤثر على فهم الظاهرة عالميا.

المحور الرابع: كيفية الحماية من الإمبريالية الرقمية 
مواجهة الإمبريالية الرقمية تعني رفض العلاقة غير المتكافئة التي تحكم التكنولوجيا. والحماية الحقيقية تعمل على ثلاثة مستويات متشابكة: الفرد، والمجتمع، والدولة. ولكل مستوى أدواته ومسؤولياته.

1- الحماية على المستوى الفردي: استعادة السيادة الشخصية
لا يمكن لأي فرد أن يعيد تشكيل البنية الكلية للإمبريالية الرقمية بشكل منفرد، غير أنه قادر على تقليص بصمته الرقمية واستعادة قدر من السيطرة على بياناته وسلوكياته الرقمية.
على مستوى الأدوات، يعتبر DuckDuckGo من أبرز محركات البحث التي لا تعتمد على تتبع المستخدمين، إذ يعالج مئات الملايين من عمليات البحث يوميا وفق تقديرات عام 2023، مما يعكس توجها متزايدا نحو بدائل أكثر احتراما للخصوصية، رغم استمرار هيمنة Google.

وفي مجال الاتصالات، إن تطبيق Signal معيار في التشفير الطرفي، نظرا لكونه مفتوح المصدر ولا يحتفظ بالبيانات الوصفية، وقد أوصى به Edward Snowden كأداة موثوقة لحماية الاتصالات. كما يوفر متصفح Tor مستوى أعلى من إخفاء الهوية عبر تمرير الاتصال عبر شبكة موزعة من العقد المشفرة، مما يجعل تتبعه بالغ الصعوبة.

أما على مستوى التتبع الإعلاني، فتقدم إضافات مثل uBlock Origin وPrivacy Badger  أدوات فعالة للحد من التتبع عبر المواقع.
غير أن الحماية التقنية وحدها لا تكفي، إذ تظل "الأمية الرقمية النقدية" هي الأداة الأعمق، بكونها قدرة الفرد على مساءلة مصدر المحتوى ودوافعه، وإعادة بناء علاقة نشطة مع البيئة الرقمية بدل التلقي السلبي، من خلال تنويع المصادر وتقليص زمن الشاشة والتعرض الواعي لوجهات نظر مختلفة.

2- البدائل التقنية المفتوحة المصدر: بنية تحتية بديلة
يتطلب التحرر النسبي من الإمبريالية الرقمية، إلى جانب اعتماد أدوات بديلة، تبني نموذج اقتصادي مغاير يقوم على الشفافية والمشاركة بدل منطق الاستخراج السري للبيانات، وهو ما تمثله البرمجيات مفتوحة المصدر في جوهرها.
على مستوى وسائل التواصل الاجتماعي، تقدم منصات مثل Mastodon وDiaspora  نموذجا لامركزيا يوزع السلطة بدل تركيزها، حيث لا توجد خوارزمية مركزية موحدة تتحكم في تدفق المحتوى أو في ترتيب ظهوره. ورغم محدودية انتشار هذه المنصات مقارنة بالأنظمة السائدة، فإنها تمثل مختبرا عمليا لنماذج بديلة للإنترنت الاجتماعي.

وعلى مستوى أنظمة التشغيل، توفر أنظمة مثل Linux وLineageOS  درجات أعلى من التحكم في البيانات مقارنة بالأنظمة التجارية المغلقة مثل Android وiOS، رغم أن استخدامها يتطلب خبرة تقنية تحد من انتشارها الواسع.
غير أن هذه البدائل تواجه تحديا بنيويا يتمثل في "تأثير الشبكة"، حيث تزداد قيمة المنصات الرقمية كلما ازداد عدد مستخدميها، ما يجعل الانتقال الجماعي نحو البدائل المفتوحة أمرا معقدا رغم جاذبية نموذجها.

3- التوعية والتعليم: بناء المقاومة المجتمعية
لا تكفي الأدوات التقنية وحدها لمواجهة ظاهرة بنيوية كالإمبريالية الرقمية. يجب أن ترافقها ثورة في الوعي الجماعي تغير طريقة تعامل المجتمعات مع الفضاء الرقمي.
ويعني ذلك على مستوى المنظومة التعليمية إدراج مفاهيم الخصوصية الرقمية والتفكير النقدي في المحتوى الرقمي ضمن المناهج الدراسية من مراحل التعليم الأساسية، كمهارة حياتية أساسية في القرن الحادي والعشرين لا كمادة اختيارية تقنية فقط. كما يعني على مستوى الأسرة والمجتمع نشر ثقافة الحد الصحي في استخدام التكنولوجيا، مع إدراك أن هذا الحد هو استجابة في حد ذاتها ضرورية لمنظومة مصممة لتجاوزه.

4- التشريعات والسياسات: تنظيم السلطة الرقمية
لا يمكن للأفراد وحدهم مواجهة منظومة رقمية تتحكم فيها شركات تتجاوز قيمتها السوقية ميزانيات دول كاملة، مما يجعل التدخل المؤسسي والتشريعي ضرورة بنيوية.
على مستوى حماية البيانات، يعد GDPR الأوروبي النموذج الأكثر صرامة في هذا المجال، غير أن تطبيقه يكشف عن فجوة بين الإطار القانوني والواقع العملي، حيث تكيفت الشركات مع متطلبات الموافقة عبر آليات شكلية لا تغير جوهر جمع البيانات، ما يؤكد أن التشريع وحده غير كاف دون رقابة مستقلة وعقوبات فعالة.

أما في مجال مكافحة الاحتكار الرقمي، فقد شكل الحكم الصادر عام 2024 في قضية وزارة العدل الأمريكية ضد Google  منعطفا مهما، حيث ثبتت ممارسات احتكارية في سوق البحث، في حين لا تزال مرحلة تحديد العلاجات التنظيمية محل نقاش قانوني. ويشير هذا التطور إلى تحول تدريجي في موقف الدولة تجاه الشركات التكنولوجية الكبرى.

وفي سياق الدول النامية، تبرز الحاجة إلى استراتيجيات سيادة رقمية تشمل تطوير بنية تحتية محلية، وتعزيز القدرات الصناعية الرقمية، ووضع أطر تنظيمية أكثر توازنا في إدارة بيانات المواطنين، بما يقلل من التبعية الهيكلية للمنصات العالمية.

المحور الخامس: المستقبل  بين التحديات والفرص

1- التحديات المقبلة: حين تتسارع وتيرة السيطرة
يشير عدد من الباحثين إلى أن مستقبل الإمبريالية الرقمية سيتشكل عبر ثلاث تحولات رئيسية متسارعة.

أولها، تصاعد ظاهرة التزييف العميق، حيث تشير تقارير أمنية إلى ارتفاع غير مسبوق في إنتاج المحتوى المزيف القائم على الذكاء الاصطناعي. وقد سجلت حالات استخدام لأصوات مزيفة في حملات تضليل انتخابي خلال عام 2024، في سياق يصفه المنتدى الاقتصادي العالمي بأن المعلومات المضللة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تمثل أحد أخطر التحديات العالمية. ويقود هذا التطور إلى ما يمكن تسميته "أزمة معرفية"، تتمثل في تآكل القدرة على التحقق من صدقية المعلومات.
ثانيها، توسع إنترنت الأشياء (IoT)، حيث تصبح المراقبة جزءا من البنية اليومية للحياة، من الأجهزة المنزلية إلى الأجهزة الطبية والمركبات، مما يوسع نطاق جمع البيانات ليشمل الجسد والسلوك اليومي في آن واحد.

ثالثها، تطور الذكاء الاصطناعي التوليدي، الذي يسمح بإنتاج رسائل دعائية وسياسية مخصصة بدقة عالية لكل فرد على حدة، بما يمثل انتقالا من الخطاب الجماهيري إلى الخطاب الفردي المفصل خوارزميا.

2- التوصيات: نحو عقد رقمي جديد
ما تحتاجه البشرية في مواجهة هذه التحديات لا يختزل في قانون أو أداة أو حملة توعية، وإنما في إعادة تفكير شامل في العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا وتنظيمها. ويمكن إجمال التوصيات في أربع نقاط:

- يجب أن تفصح الشركات عن كيفية عمل خوارزميات التوصية لديها، وأن تخضع لمراجعة مستقلة معتمدة من جهات تنظيمية. فالخوارزمية غير المرئية التي تقرر ما يراه مليار إنسان لا يمكن أن تظل خارج دائرة المساءلة الديمقراطية.
- يجب الاعتراف صراحة بأن الخصوصية الرقمية والوصول إلى معلومات غير موجهة، و عدم الخضوع للتلاعب النفسي الرقمي هي حقوق إنسانية أساسية، لا ميزات اختيارية يحددها عقد الخدمة.

- المشكلة الجذرية أن الإنترنت "المجاني" يقوم على الإعلانات التي تقوم على البيانات التي تقوم على المراقبة. كسر هذه الحلقة يتطلب التفكير في نماذج تمويل بديلة: اشتراكات مباشرة، وتمويل عام للمنصات ذات المصلحة العامة، ونماذج تعاونية تعيد للمستخدم حصة من القيمة التي ينتجها.

- تحتاج دول الجنوب إلى بناء تكتلات إقليمية تتيح لها التفاوض الجماعي مع الشركات التكنولوجية الكبرى من موقع قوة لا ضعف، وإلى تبادل التقنيات المفتوحة المصدر والخبرات التنظيمية، وإلى تمثيل فعلي في المحافل الدولية التي تصاغ فيها قواعد الإنترنت العالمي.

الخاتمة

في البداية، قلنا إن الإمبريالية الرقمية هيمنة لا تحتاج إلى جيوش. وفي نهاية هذا المسار، يمكن القول إن مقاومتها كذلك لا تحتاج إلى جيوش، فما تحتاجه هو الوعي.
الوعي بأن الخدمة "المجانية" ليست مجانية بالمفهوم الصحيح، لأنها تجعلك تدفع ثمنا منك لا من جيبك. الوعي بأن الخوارزمية تصنع العالم وفق مصالح لا تتوافق بالضرورة مع مصلحتك. الوعي بأن ما يبدو قرارا شخصيا هو في أغلب الأحيان قرار مشكل مسبقا في مختبرات هندسة السلوك.

لكن الوعي وحده غير كاف. ما تضيفه هذه المقالة إلى سرديات النقد الرقمي الكثيرة هو التشديد على أن المسألة ليست تقنية في جوهرها، فهي بالدرجة الأولى سياسية واقتصادية وأخلاقية. فالإمبريالية الرقمية نتاج نموذج تمويل معين للتكنولوجيا وليست نتاج للتكنولوجيا نفسها، وهذا النموذج يمكن تغييره وتنظيمه ومقاومته.

ما يميز هذا العصر أنه أول عصر تصبح فيه البنية التحتية للعقل الجماعي للبشرية - مصادر معلوماتهم، وقنوات تواصلهم، وفضاءات نقاشهم - مملوكة لعدد ضئيل من الشركات الخاصة التي تخضع لمساءلة ديمقراطية ضئيلة. وهذا في حد ذاته إشكالية حضارية لم يسبق للإنسانية أن واجهت مثيلها.

المستقبل الرقمي ليس قدرا محتوما يكتب في مختبرات سيليكون فالي أو في قاعات الحزب الشيوعي الصيني. إنه أيضا يكتب في المدارس حين نعلم الأطفال كيف يفكرون لا في ماذا يفكرون. ويكتب في البرلمانات حين تحاسب المشرعون الشركات التكنولوجية بشجاعة. ويكتب في خيارات المستهلكين حين يختارون المنصة التي تحترمهم لا التي تستهلكهم. ويكتب في التضامن الرقمي لشعوب الجنوب حين تطالب بأن تكون شريكة في رسم قواعد الفضاء الرقمي لا مجرد سوق تستنزف بياناتها.

وكما لا تنشأ الاستعمارات الكلاسيكية دفعة واحدة، إذ أنها تتسلل تدريجيا عبر المصالح الاقتصادية وتثبيت التبعية وبناء البنية التحتية، كذلك لا تقاوم الإمبريالية الرقمية بردة فعل واحدة، وإنما على العكس تقاوم بتراكم ممنهج طويل النفس من الوعي، والتشريع، والابتكار البديل، والتضامن.

فالبذور التي نزرعها اليوم في الفضاء الرقمي - بذور الشفافية أو الغموض، السيادة أو التبعية، الكرامة أو الاستهلاك - هي التي سنحصد ثمارها غدا.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة