حين تلتقي الرؤية الملكية برجال الدولة

حين تلتقي الرؤية الملكية برجال الدولة

هفتي ضرار

في عالم تتسارع فيه التحولات، وتتزايد فيه التحديات الأمنية والاقتصادية والجيوسياسية، تظل الدول الراسخة هي تلك التي تبني قوتها على مؤسسات متينة، ورؤية استراتيجية واضحة، ورجال دولة يدركون أن خدمة الوطن واجب قبل أن تكون مسؤولية. فالتاريخ يعلمنا أن الأوطان لا تحفظها الشعارات، ولا يصنع مجدها الضوضاء، بل يبنيها العمل الجاد، وتحميها الكفاءات المخلصة، وتصونها المؤسسات القوية.

وقد اختار المغرب، بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده، أن يسلك طريق البناء الهادئ والثابت، معتمدا رؤية متبصرة جعلت من الاستقرار رافعة للتنمية، ومن التنمية وسيلة لتعزيز السيادة الوطنية وترسيخ مكانة المملكة بين الأمم. فمنذ اعتلاء جلالته العرش، انخرط المغرب في مسار تحديث عميق شمل مختلف المجالات، واضعا الإنسان في صلب السياسات العمومية، ومؤسسا لنموذج يقوم على التوازن بين الإصلاح والاستقرار، وبين التشبث بالثوابت والانفتاح على المستقبل.

لقد أدرك جلالة الملك مبكرا أن قوة الدولة الحديثة لا تقاس فقط بما تمتلكه من موارد، بل بما تتوفر عليه من مؤسسات فعالة قادرة على حماية الوطن، وخدمة المواطنين، ومواجهة التحديات المتجددة. ولذلك استطاع المغرب أن يحقق مكاسب مهمة على المستويين الإقليمي والدولي، وأن يعزز حضوره كشريك موثوق في قضايا الأمن والتنمية والاستقرار.

وفي هذا المسار الوطني المتواصل، يبرز دور رجالات الدولة الذين اختاروا العمل بعيدا عن الأضواء، واضعين المصلحة العليا للمملكة فوق كل اعتبار. فالدول القوية لا تصنعها الفردانية ولا الاستعراض، بل تصنعها روح المسؤولية والانضباط والقدرة على اتخاذ القرار في اللحظات الدقيقة. وهؤلاء الرجال لا يبحثون عن التصفيق، بل يجعلون من خدمة الوطن غايتهم الأولى، ومن الواجب الوطني عقيدتهم الدائمة.

ولعل من أبرز عوامل قوة المغرب واستمراره في مواجهة التحديات، ما راكمه من مؤسسات وطنية راسخة أثبتت كفاءتها واحترافيتها في مختلف الظروف. فالقوات المسلحة الملكية ظلت على الدوام درعا للوطن وسدا منيعا في الدفاع عن وحدته الترابية وسيادته الوطنية، كما واصلت مختلف الأجهزة الأمنية القيام بأدوارها بكفاءة عالية ويقظة دائمة في حماية المواطنين، والحفاظ على الاستقرار، والتصدي لمختلف التهديدات. وإلى جانب ذلك، تشكل المؤسسات الدستورية ركائز أساسية في البناء الديمقراطي للمملكة، بما تجسده من استمرارية للدولة وترسيخ للمشروعية وسيادة القانون.

ولا تستمد هذه المؤسسات قوتها من صلاحياتها فقط، بل كذلك من الالتفاف الشعبي الواسع حولها. فقد أثبت المغاربة، عبر مختلف مراحل تاريخهم، أن حب الوطن ليس مجرد شعور عابر، بل التزام راسخ واستعداد دائم للتضحية من أجله. وفي هذا السياق، أظهرت دراسة دولية لمعهد غالوب، نشرت سنة 2014، أن نسبة كبيرة جدا من المغاربة عبرت عن استعدادها للقتال دفاعا عن الوطن في حال تعرضه للخطر، وهو معطى يعكس عمق الانتماء الوطني وقوة العلاقة التي تجمع الشعب المغربي بوطنه وثوابته ومقدساته.

وقد لخص جلالة المغفور له الحسن الثاني هذه الحقيقة بكلمات خالدة حين قال: "الوطن غفور رحيم"، وهي عبارة تختزل فلسفة كاملة في العلاقة بين المواطن ووطنه، علاقة تقوم على الوفاء والعطاء والتضحية وتغليب المصلحة الوطنية على المصالح الضيقة.

كما يروى عن الإمام علي بن أبي طالب قوله: "عمران الأوطان من شيم الكرام"، وهي حكمة تؤكد أن نهضة الأمم لا تتحقق إلا بسواعد أبنائها، وأن بناء الأوطان وصيانة مؤسساتها مسؤولية جماعية لا تحتمل التردد أو التقاعس.

ولم تكن الحضارات الكبرى بعيدة عن هذا المعنى. فقد أكد الفيلسوف الصيني كونفوشيوس أن استقرار الدولة وقوتها يرتبطان بوفاء أبنائها لها وتمسكهم بواجباتهم تجاهها، وهي فكرة ما تزال صالحة لكل زمان، لأن الأوطان لا تحيا بالشعارات وحدها، بل بحرص مواطنيها على حمايتها والدفاع عنها والمحافظة على مكتسباتها.

ومن الطبيعي أن تثير نجاحات المغرب قلق خصومه وانزعاج المتربصين به. فكلما حققت المملكة مكسبا جديدا، أو عززت حضورها الدولي، أو راكمت نجاحا في الدفاع عن مصالحها العليا، ارتفعت أصوات تحاول التشكيك في مؤسساتها أو النيل من بعض رجالاتها. غير أن التجربة أثبتت أن الدول التي تبني قوتها على المؤسسات والثقة والشرعية لا تهتز أمام الحملات العابرة، لأنها تستند إلى أسس راسخة أقوى من الضجيج وأكثر دواما من الحسابات الظرفية.

إن النقد المسؤول يظل ضرورة لكل مجتمع يسعى إلى التطور، لكنه يختلف جذريا عن حملات التشويه التي تستهدف إضعاف الثقة في المؤسسات الوطنية. فبين النقد البناء والهدم المتعمد مسافة شاسعة، يبقى معيارها الوحيد هو خدمة المصلحة العامة وصون استقرار الوطن.

واليوم، أكثر من أي وقت مضى، يحتاج المغرب إلى ترسيخ ثقافة الإنصاف والاعتراف بالكفاءات الوطنية، وإلى تعزيز الثقة في مؤسساته، وإلى مواصلة التعبئة الجماعية خلف القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده، دفاعا عن المصالح العليا للمملكة، وصونا لوحدتها الترابية، وترسيخا لمكانتها بين الأمم.

فالدول العظيمة لا يحميها الكلام، وإنما يحميها رجال أوفياء، ومؤسسات قوية، وشعب متمسك بوطنه، مؤمن بأن رفعة المغرب واستقراره وسيادته مسؤولية مشتركة وأمانة في أعناق الجميع.

 
هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة