إن وضع المغرب بالنسبة لإسبانيا، وضع خاص ومعقد باعتبار هذه الأخيرة جغرافيا هي بلد جار في الشمال على بعد 14 كلم بحرا بين طنجة وطريفة، وهي بوابة القارة الأوروبية العجوز من الجنوب، مستعمر قديم لبعض مناطق المغرب في الشمال وفي الجنوب ومنها "سبتة" و"مليلية" وبعض الجزر المتفرقة التي لا تزال محتلة فك الله أسرها، كانت معقل الأندلس وما أدراك ما الأندلس وتاريخ حكم ومحاكم الأندلس على امتداد 8 قرون، لكنها اليوم شريك استراتيجي متعاون في العديد من المجالات الحيوية كالأمن الحدودي والتعاون الطاقي والتجارة والصناعة والفلاحة، ومحاربة شبكات تهريب المخدرات والاتجار في البشر والهجرة غير النظامية، وغير ذلك مما تجاوز به البلدان التاريخ الدموي الاستعماري بينهما إلى براغماتية المصالح المشتركة التي تربط بينهما برباطات معقدة يصعب تفكيكها أو الانفكاك منها رغم ما يعتريها في العمق ويطفو على سطحها أحيانا كإشكالات "سبتة" و"مليلية" والصحراء المغربية والفلاحة والصيد البحري، وإن كان بعضها يجد طريقه إلى الحل التفاوضي والديبلوماسي كالصيد والصحراء.
فإسبانيا دون المغرب مثلا، لا يمكن لها تأمين حدودها الجنوبية من تهريب المخدرات (70%) وشبكات الهجرة غير النظامية إلى (90%) والفلاحة الموسمية إلى (80%) والتجارة الحرة (20 مليار يورو/2023) خاصة في المدينتين المحتلتين وقبل إغلاق المعابر، بل حتى الاستثمار فإن (1000 شركة اسبانية موجودة في المغرب ومنها ما يوجد في الميناء المتوسطي لطنجة ويشكل إلى جانب البحرية الاسبانية شريانه الحي).ما جعل من المغاربة من جهة أخرى: أول جالية عربية وإفريقية في إسبانيا (800 ألف)، وإن ساعدها المغرب إبان أزمتها الطاقية سنة 2025 بحواليGw/h 500 فإنه يستورد منها طاقة رخيصة بكمية 2500 Gw/h كل سنة عبر خطين بحريين ينوي المغرب إضافة خطين آخرين منهما بحلول 2028، كما يستفيد المغرب من إسبانيا وساطتها لدى السوق الأوروبية المشتركة ودعمهما الديبلوماسي لاستقراره، لأن أي اضطراب في الجنوب سيصلى ولاشك برجع صداه الشمال.
ورغم ما بين المغرب وإسبانيا من شراكة (رابح – رابح) مجالاتها وملفاتها تخدم طرفا أو آخر أو كليهما على الأرجح، فإن ملف الهجرة عامة والهجرة غير النظامية خاصة قد ظل بينهما على الدوام تاريخا من الاضطراب والتوتر الاجتماعي والسياسي ما جعله يراكم تاريخا من التحولات الشائكة كانت الأرقام المهولة لضحاياه من الغرقى في البحر والمحبوسين في ضيعات المنافي والفيافي ، أكبر دليل على أن الملف قد تطور ولا يزال من السيء إلى الأسوأ، ولا يزال بسياسات تدبيره مرشحا لأكثر من ذلك، ترى كيف كانت أولى خطوات وملامح هذه الهجرة بين المغرب وإسبانيا؟، ما هي أهم المراحل التي طبعت تطورها، ولصالح من كان خراجها وحصادها؟، لماذا ورغم كل هذه العقود لا زالت القضية تتطور نحو مزيد من التعقيد بدل التخفيف والحل؟، وهل في الأفق من مقترحات التخفيف من حدة الأزمة، خاصة بعدما بلغت مبالغ الخميس الأسود 30 يوليوز 2026 للزحف الجماعي سباحة لآلاف المغاربة (50 ألف) من كل الأجناس ومن كل الأعمار إلى "سبتة" المحتلة، فكانت الكارثة؟.
1) مرحلة الاستعمار 1912 – 1956: وكان الاسبان هم من يأتون إلى المغرب من أجل العمل العسكري والإدارة الاستعمارية والعمل في مناجم الحديد بالريف وضيعاتهم الفلاحية والصيد البحري..، وبخلفية نهب الثروات والتمكين لاستعمارهم، كعس المغاربة الذين كان عبورهم إلى إسبانيا شبه منعدم باستثناء بعض الفلاحيين الموسميين، خاصة من سكان الشمال يعبرون إلى جنوب إسبانيا (الأندلس وألميريا..) بشكل تلقائي وعفوي دون أوراق ولا عقود عمل.
2) مرحلة ما بعد الاستقلال 1956 – 1970: رجع الاسبان إلى بلدهم وبقيت حركة المرور بين البلدين أيضا عفوية وتلقائية وفي الاتجاهين، فالإسبان بحكم الفقر كانوا يرسلون أبنائهم للعمل في فرنسا وألمانيا وسويسرا وكانوا يرسلون آبائهم إلى المغرب لاجتياز العطلة، والمغاربة كانوا يجتازون الحدود للعمل والتجارة اليوميين (دون المبيت ) في إحدى المدينتين السليبتين وبمجرد بطاقة العمل أو هوية السكن لمدة عام على الأقل في إحدى مدن الشمال المجاورة كالحسيمة والناظور أو تطوان وطنجة.
3) مرحلة أزمة النفط 1973 – 1980 : سنة 1973 وهي الموسومة بأزمة النفط، وهي السنة التي توقفت فيها أوروبا عن استيراد اليد العاملة فاستبدلها بعض المهاجرين إليها بالإقامة في بلد لم يكن إلا للعبور إلى دول أوروبا وهو اسبانيا قبيل الانتعاش الاقتصادي، ورغم ذلك فعدد المغاربة في إسبانيا كان قليلا جدا لا يتجاوز 5 ألاف ولم يكونوا يكونون جالية تساعد غيرهم و 90 % منهم من أبناء مدن الشمال، بحكم القرب وبحكم حركة المرور لا تزال سهلة دون عقود عمل ولا اتفاقيات شراكة ولا سياجات شائكة أو جوازات و تأشيرات لا ورقية ولا رقمية.
4) مرحلة بداية الانتعاش الاقتصادي الاسباني 1985 – 1991 : ففي سنة 1985 إسبانيا تصدر أول قانون يتعلق بالأجانب، وبدأت مراقبة الحدود، وفي سنة 1986 دخلت إسبانيا إلى الاتحاد الأوروبي، فأصبحت بشكل رسمي بوابته من الجنوب وعليها تقع مسؤولية حراستها وتأمينها، وبمقتضى الوضع الجديد شددت إسبانيا مراقبة الحدود، فكان رد فعل غير منتظر وهو ظهور الهجرة السرية عبر القوارب في صفوف المهاجرين غير النظاميين وفرض جواز السفر على المهاجرين النظاميين.
5) مرحلة الانتعاش الاقتصادي الإسباني 1993 – 2005: سنة 1993 تم بناء أول سياج حدودي من طرف إسبانيا في "سبتة" بارتفاع 2.5 متر وصل الآن إلى ارتفاع 6 متر وطول حوالي 8 كلم، وجاء مثله في "مليلية" سنة 1998، كما أصبحت فيزا "شنغن" لتنقل المسافرين من الوثائق المطلوبة بالضرورة للمرور إلى أسبانيا أو غيرها. وفي سنة 2001 أبرمت اتفاقية الهجرة الدائرية (Gecco) بين المغرب وإسبانيان تستقدم هذه الأخيرة بموجبها 15 ألف من العمالة النسوية ( متزوجات وذوات أطفال وتجربة فلاحية من العالم القروي) للعمل في حقول الفراولة لمدة 3 إلى 6 أشهر يعدن بعدها إلى بلدهن، ومنهن من تبقى بطرق غير شرعية وفي وضع هشاشة؟. وبين 2003 و 2005 ارتفع عدد الضحايا من الغرقى إلى ما بين 3 و 5 ألاف مما دفع بإسبانيا وحلفائها إلى تشديد الرقابة وإعلاء السياج، خاصة بعد أحداث 11 شتنبر 2001 الإرهابية في أمريكا.
6) مرحلة الأزمة الاقتصادية في إسبانبا 2006 – 2008: مرحلة الأزمة هذه وقع فيها المغرب مع الاتحاد الأوروبي شراكة "الحدود والتنمية "Frontex"، يتلقى المغرب بموجبها مساعدات من الاتحاد الأوروبي مساعدة على جهوده في حراسة الحدود وعلى جهوده في مساعدة المرشحين للهجرة غير النظامية من أبناء جنوب الصحراء اختاروا الإقامة في المغرب أو العودة الطوعية لبلدانهم. غير أن سنة 2008 تميزت بالأزمة المالية الحادة التي ضربت قطاع البناء في إسبانيا لدرجة تراجع فيها القطاع ب 70% وارتفعت البطالة من 8 إلى 27 % مما اضطر البلد ليس إلى تجميد التجمع العائلي والهجرة النظامية بل حتى إلى طرد المهاجرين وتحفيزهم على العودة الطوعية لبلدانهم، بل والهجرة العكسية إلى بلدان مجاورة أو على الأقل الهجرة من البناء إلى الفلاحة والخدمات داخل نفس البلد.
7) مرحلة الهجرات المغربية الجماعية 2018 – 2026: واستمرت سياسة الأزمة المالية اتجاه الهجرة وسياسة الطرد للمهاجرين إلى سنة 2018 حيث حدثت أزمة بين المغرب وإسبانيا على خلفية استقبال هذه الأخيرة في مستشفياتها لزعيم "البوليزاريو" إبراهيم غالي/بن بطوش، وكان رد فعل المغرب الغاضب وكأنه قد أرخى من دوره في حراسة الحدود فدخلت 8 ألاف مهاجر/ة غير نظامي منهم 1500 قاصر، في يوم واحد (الاثنين 17 ماي 2021). بعدها جاءت أزمة "كورونا" سنة 2020-2021 وجراء الإجراءات الاحترازية التي ركزت على منع التنقل والأسفار، علقت خلالها 7200 عاملة في اسبانيا دون أوراق ولا بطاقة الإقامة؟، وهكذا إلى أن جاء الخميس الأسود 30 يوليوز 2026 حيث زحف على "سبتة" سباحة بحرية في يوم واحد ما يزيد على 50 ألف مغربي ومغربية من كل الأجناس وكل الأعمار، دون بطاقة مرور ولا جواز سفر أو فيزا بيومترية أو حتى ما وضعوه للتو من سياجات بحرية عائمة، ورغم ما يقال من أنه قد عادت منهم حوالي 48 ألف، فقد كان الحدث كارثة بكل المقاييس والاعتبارات والملابسات، ويفتح سؤال الأسئلة الحارقة على كل التساؤلات؟.
ختاما، أكيد أن كل الأطراف بقدر ما نالت من وضعية الهجرة غير النظامية هذه بعض ما يمكن أن نسمية مكاسب، بقدر ما وقعت عليها أضرار ربما أشد وأكثر، ومن ذلك:
1)المغرب: قد يكون كسب شراكة الهجرة الدائرية (Gecco)، بعض التحويلات المالية وبعض مساعدات الاتحاد الأوروبي (Frontex)، ولكن عليه ضغط حراسة الحدود وما يناله جراء الهجرة بشكل عام من نزيف الطاقات والتفكك الأسري وظروف إقامة مهاجراته..؟.
2) إسبانيا: لها مكاسب إنعاش اقتصاد المدينتين السليبتين(20 مليار يورو/2023 )، جلب اليد العاملة الرخيصة وتأمين مواسمها الفلاحية ب(80%)، لكن تتبعها مسؤولية الموتى والغرقى في البحر ووصم إساءة التعامل مع المهاجرين ضدا على حقوق الانسان، مع ما لا يرحمها من الضغط على الخدمات،
3)الاتحاد الأوروبي: وقد يكون كسب شراكة موثوقة ومعتمدة مع المغرب ويساعده في بعض المشاريع التنموية في الموضوع، لكنه فشل في تحقيق التحول الحلم من الهجرة بالقوارب إلى الهجرة بالعقود، وكذلك في إيقاف ما يتفجر كل يوم من الاتجار بالبشر أو يحتد من الصراعات الاجتماعية ومشاكل الاندماج..؟.
كل هذا يضعنا كأطراف ومجتمع دولي أمام تحديات جسيمة في الموضوع ويوجب على الجميع البحث الجماعي عن حلول مشتركة ناجعة وآفاق رحبة لتأمين الهجرة وتجويدها، ومن ذلك:
1)على المدى القريب:
* توسيع الهجرة الدائرية أعدادا ومناطق ومجالات..
* حماية العاملات بتوفير سكن لائق ومراقبة الضيعات..
* منع البقاء غير القانوني بعقد واضح وغرامة على الباقيات وعلى المشغلين..
2)على المدى المتوسط:
* الاستثمار التنموي النظيف في المغرب بعقلية نقل المعمل بدل العامل.
* التكوين المهني وإعارة فائض الخريجين إلى الدول المحتـــاجة وفق عقود.
* المشاريع المدرة للدخل في إطار الاقتصاد الاجتماعي والتضامني مع العمل على ضمان النجاعة والتعميم.
3) على المستوى البعيد:
* تنمية حقيقية و سياسة هجرة مشتركة وإدماج حقيقي
* عدم الاستغلال والقضاء على أوضاعه: ساعات عمل أكثر وأجور أقل، البدون أوراق، هشاشة المساكن..
* الادماج الحقيقي ومحاربة الاغتراب بتعلم اللغة وتفادي العنصرية والفراق الأسري والصدمة الثقافية عامة، ومن المؤكد بهذا الصدد أن حفاظ المهاجرين على هويتهم وقيمهم وثقافتهم أدعى لاندماجهم من سياسات التماثل والتطابق (Assimilation) التي طبقتها بعض الدول الأوروبية حتى في المأكل والملبس..، ولم تؤدي إلا إلى نتائج عكسية وتقاطبات حادة.
وتبقى الهجرة خيار بشري منذ الأزل وضرورة إنسانية أحيانا، لها مكاسبها الانفراجية وإكراهاتها الموضوعية، ولكن الاشكال قد لا يكون في الهجرة كهجرة بشكل عام وإنما في نوع منها وهي الهجرة غير النظامية، غير الحقوقية وغير الاندماجية، والتي قد لا تكون بين حدود البلدان فقط بل أيضا بين طبائع النفوس وأمزجة الذوات في نفس البلد بل في نفس الأسرة ونفس البنية الاجتماعية والعقلية الثقافية، وتلك قضية أخرى أشد وأعقد.
أضف تعليقك
شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.