عقد ونيف على عراق ما بعد أضحية العيد‏

عقد ونيف على عراق ما بعد أضحية العيد‏

احمد اضصالح

 

   عقارب الساعة تشير إلى الثامنة صباحا بتوقيت غرينيتش.. جرس المؤسسة يدق إيذانا بوصول حصة مادة التربية البدنية التي نهواها من أعماق قلوبنا، فحين يكون الأستاذ مصابا بالملل جراء شرح قواعد كرة اليد أو الوثب الطويل يرمي لنا بكرتين للقدم، إذ ذاك نكاد نطير من الفرح، فريقان في ملعب الإسمنت وآخران في ملعب ترابي.

   يومها كنت من متتبعي السياسات العالمية رغم صغر السن على محطة ال"بي بي سي" البريطانية و "دوتشيفيلي" الألمانية الناطقتين بالعربية، وفي بعض الأحيان أسترق النظر نحو الجزيرة القطرية متى سنحت فرصة ذلك. وكان لي مذياع كبير أركب له سلكا طويلا، وبين الفينة والأخرى أعاتبه في نفسي لأن المحطة الإذاعية المراد تشغيلها تجيء وتذهب إيذانا بسوء الضبط دون مراعاة لمشاعري الصغيرة. 
   في ذلك الصباح المشؤوم لم أستمع لمحطات الإذاعة المفضلة لأن الأيام أيام دراسة وشغل. ولكن الألسن البريئة تناقلت خبر بدء الهجمة الأمريكية على العراق. ووقع أخيرا ما كنت أخاف.. أخذت قلما فنقشت على غلاف أحد الدفاتر: "20 مارس 2003: غزو العراق" قبل أن أستبدل ملابسي العادية ببذلة مادة التربية البدنية.
    إن من تتبع الأحداث يجد أن إحدى عشرة سنة مرت على ذلك الحدث الأليم الذي سطرته البشرية بقلوب غليظة سيذكرها التاريخ في أرشيف مزابله الضخمة التي لا تقاس إلى جانب ملفات الأعمال الصالحة لفائدة جنسنا البشري، سقطت إثره حضارة بدعوى بسيطة خرجت من فم شخص مهووس بامتصاص الدماء مشرقا ومغربا ودُبرت بليل بتحالف مع مختلف قوى الاستكبار العالمي التي نصبت نفسها في هذا الزمان حكَما بين الشعوب ملهية مواطنيها بمواضيع ومصطلحات غامضة عُدم تحديدها لحد الساعة، وعلى رأسها ما أخذ به العراق على حين غرة: "أسلحة الدمار الشامل" كبديل لعبارة "أسلحة النفط الشاملة" التي تُسيل لعاب صانعي السياسات العالمية . 
   لهذا السبب تم تدمير حضارة إنسانية على أرض العراق بإتلاف المدخرات الفنية والثقافية وفي مقدمتها: "170000 قطعة أثرية" من المتحف الوطني العراقي حسب ما أفادت به الإحصاءات الرسمية، وبعدها تم تسليم العراق الجريح لدولة إيران الشيعية في طبق من ذهب بعد أن تم القضاء على الذين ينصبون لها العداء من الجيران الأفغان بتهمة تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر.. مسكين أيها المواطن الأفغاني، إنهم لم يتمعنوا جيدا في لباسك وفي شظف عيشك حتى يقتنعوا يقينا انك لا تستطيع حتى إنقاذ نفسك من بطش الجوع والعطش وويلات الحروب الأهلية التي يعاني منها البلد صباح مساء. لكنهم يريدون حجة كما في حرب العراق للقضاء على الحضارة الأفغانية وبعدها تم صناعة شخص يدعى "أسامة بن لادن" والقضاء عليه بعد جهد جهيد ثم رمي جثته في البحر!!..

    إنها حكاية خيالية إن قيلت للصغير لما صدقها لكنها انطلت ببساطة على الشعب الأمريكي المسكين وأرباب النفط الذين يدفعون من جيوبهم بسخاء لصالح أهداف سطرها المتحكمون في صناعة القرار العالمي فأنستهم مشكل البطالة وخطورتها والأزمة الاقتصادية التي يعاني منها العالم برمته.
   مرت إحدى عشرة سنة على التقتيل والتنكيل والدمار الشامل للمحافظات العراقية إذ تم استهداف كل ما يدب على الأرض مرفوقا بالسب والشتم وفق لغة الشارع الأمريكي، وإهانة إنسانية الإنسان في سجن "أبو غريب" وخارجه دون حسيب أو رقيب. وتم تكريس عقلية طائفية مبيدة سمحت برجوع المحتل اليوم بدعوى محاربة "داعش".

   آنذاك فقط اطمأنت أمريكا وحلفاءها لتقرير البعثة الدولية التي تنبش في دهاليز العراق علها تقع على رائحة ما يصطلح عليه "أسلحة الدمار الشامل".

   لقد كانت مجرد غلطة بسيطة أو قل زلة لسان راح ضحيتها أزيد من مائة ألف شهيد عراقي وما زالت الدماء تسيل لحدود اللحظة وقتل فيها غزاة من أبناء فقراء أمريكا وأهدرت فيها أموال وأموال وخلفت جرحى ويتامى وثكلى ومفقودين واللائحة تطول.
   كما ألقي القبض على "صدام حسن" المطلوب الأول في ذلك الوقت وعرض على محاكمة تناقلت وقائعها وسائل الإعلام العالمية لتبيان النفاق الديموقراطي. إنه الشخص الذي صنعته أمريكا يوما فلم تفرط في جعله بطلا تهابه "القضاة" المساكين الذين يريدون تسطير تاريخهم بالحكم على رجل تربع على عرش العراق منذ سنة 1979 حتى حدود 2003 بقبضة من حديد.

 

   ولما عثر عليه أخيرا بمساعدة أصدقاء الأمس في عملية ما سمي ب"الفجر الأحمر" في حفرة، وصفه صاحبه "معمر القذافي" ب"القديس". استهزأت من كلامه آنذاك، لكن اليوم بانت الحقيقة. لقد مات الأول بشجاعة وحوله عصابة ملثمة ترتعد فرائصهم من المجهول ليلة عيد الأضحى المبارك الموافق 30 دجنبر 2006 وآخر كلماته الشهادتان، وصيحات الطائفية تتعالى، في حين مات الثاني عريانا في فلاة متوسلا بعد أن ثار عليه شعبه جراء الاستبداد السياسي المفرط المصاحب لمرض جنون العظمة فأورث وراءه دمارا وكتابين إحداهما أخضر والثاني أبيض.
   مات صدام.. هُربت الأموال.. ضُخ ثاني احتياطي من النفط نحو الغزاة.. سُرقت المتاحف والآثار. وطُمست هوية العراق الحضارية والتاريخية لا لشيء إلا لفلتة لسان. فجثم بعد هذا على قلوب العراقيين من يسومهم الظلم والفتن والتقتيل بتواطؤ مع أمريكا وإيران الصديقتين رغم مسرحيات الأسلحة النووية التي انطلت فصولها على الكثيرين وعلى رأسهم دول الخليج التي ما زالت تتودد لأمريكا وتجود عليها بأراضيها وبخيراتها التي حباها الله بها حين دعا إبراهيم عليه السلام قائلا: (رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق اهله من الثمرات) لتتقي شر الدولة الجار.
   كان "صدام" إذن أضحية عيد لكن ذلك لم يشفع للعراقيين المساكين الذين يعانون ويلات الذبح والتنكيل صباح مساء، وتكالب الأعداء وخيانة الأدعياء، فصاروا كمن تتقاذفهم الأمواج إلى غير رجعة. إنها حكاية حضارة قضت عليها قوى الاستكبار العالمي يوما حتى لا تترك لها فرصة النجاة نحو بر الأمان، فصعدت الحناجر اليوم بعد مضي زهاء عقد ونيف مطالبة بأدنى شروط العيش الكريم، بل وبإسقاط نظام صنعه المحتل حتى حين، ليحتاروا في أمرهم بين دماء "داعش" وبين طائفية النظام المبيدة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات