الإيمان والعقل
عماد الدين الحداد
في الأدبيات الروحانية عامة نرى بالتكرار ذما للعقل
وهذا ليس افتراءً من هذه الأدبيات
.. نعم .. بات اليوم معترفا به في العالم أن العقل هو مصدر الشقاء الإنساني
غريب! ولكنه أليس هو أيضا مصدر السعادة الإنسانية؟
بلى …
كيف لأي إنسان أن يسعد أو أن يصل إلى ما يريد بدون العقل؟!
بل كيف له أن يؤمن بدونه؟
وكيف له أن ينجو في الدنيا والآخرة بدونه؟
… فينبغي أن نعلم إذن أنه ليس (كل العقل) جديرا بالذم
وإنما الجدير بكل الذم هو الجزء أو البعد العقلي .. المدمّر … الذي عششت فيه شياطين الإيحاءات السلبية والإيعاد بالشر والفقر وتحطيم صاحب هذا العقل
هذا العقل المذموم هو ذلك النشاط العقلي عندما يعمل في الوقت غير المناسب. ولا يريد أن يتوقف. ويظل مهووسا بالمستقبل أو بالماضي … مهملا للحاضر واللحظة الحالية. إنه ذلك العقل الذي يولد في الإنسان أو يُبقي في الإنسان صفات (الهلع والجزع والمنع). المعبَّر عنها في قوله تعالى:
{ إن الإنسان خلق هلوعا . إذا مسه الشر جزوعا . وإذا مسه الخير منوعا . إلا المصلين. الذين هم على صلاتهم دائمون } [المعارج]، هذا النشاط .. أو هذا المنطق هو المقصود بـ العقل المذموم … وهو ما ينبغي تجاوزه وتقييده وضبطه
ولكن في العقل أيضا نشاط أو منطق آخر. يستخدم آليات ومعادلات وقوانين فكرية مشتركة بينه وبين ذلك العقل المدمر. وله مصادر أخرى تشع عليه من الخارج. إنه المنطق الإيماني
… وهو ما يسمى في الادبيات الروحانية وخصوصا عند المسلمين بـ (القلب). فسمه القلب .. أو سمه "المنطق الإيماني الخاص." ولا مشاحة في الاصطلاح
ورغم أن هذا المنطق شبيه في لبه وقوانينه بالمنطق المدمر السالف ذكره. إلا أنه – وللغرابة – غالبا ما يوصلك إلى نتائج مختلفة، أو ربما معاكسة تماما لنتائج ذلك العقل
… إنها دائما النتائج الطيبة والخيّرة التي يتجلى فيها ما يسمى بالفهم عن الله .. والفهم عن قرآن الله والفهم عن أنبياء الله وأوليائه
إنها نتائج وفتوحات الهداية المستمرة …
إنها المراد بـ "الفرقان" .. في قوله تعالى:
[ يا أيها الذين امنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ] [الأنفال]
وسماها تعالى أيضا "نورا" في قوله:
{يا أيها الذين امنوا اتقوا الله وامنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم} "الحديد"
وقوله:
أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها .. " الأنعام:"12
