الدستور الجديد وسيناريوهات التحالفات السياسية ما بعد الاستحقاقات البرلمانية المقبلة
الحسين بوخرطة
في بداية هذا المقال أود أن أشير أن اختيار عنوانه في هذا الوقت بالذات راجع أولا إلى أهمية العبارتين المكونتين له : "الدستور الجديد" و "سيناريوهات التحالفات السياسية ما بعد الاستحقاقات البرلمانية المقبلة"، وثانيا لارتباط العبارتين بمستقبل استكمال مقومات دخول المغرب إلى مصاف الدول الديمقراطية (الخروج من مرحلة الانتقال الديمقراطي). كما أحرص في نفس المقدمة أن أضيف أن كون الاهتمام بالشأن السياسي، وتتبع تطوراته، يجب أن يكون عند المغاربة واجبا وطنيا، الغاية منه تقوية السعي واستنهاض العزائم بغية تقوية الالتقائية بين كل الفاعلين السياسيين والاقتصاديين وفعاليات المجتمع المدني ورجال الإعلام بمختلف أصنافه من أجل تمكين مغرب الألفية الثالثة من تحقيق القفزة النوعية في مسار البناء الديمقراطي والمؤسساتي، القفزة التي ينتظرها الجميع شبابا وكهولا وشيوخا منذ المصادقة الشعبية على الدستور الجديد.
وفي هذا الصدد، لا يمكن تصنيف الانتقادات الموجهة لحكومة الدستور الجديد إلا في خانة المسؤولية السياسية والواجب الوطني والغيرة المتواصلة على المستقبل الديمقراطي للبلاد في مرحلة جد حساسة لا ولن تقبل احتمال الرجوع إلى الوراء. وعندما يتم الحديث عن حساسية المرحلة نستحضر الظرفية السياسية الإقليمية والدولية والخصوصية المغربية التي جعلت الخطاب الملكي لشهر مارس 2011 نقطة محورية أعطت الانطلاقة إلى توافق سياسي جديد توج بمشاركة كل القوى السياسية والمجتمعية والفعاليات الفكرية في صياغة دستور يوليوز 2011، دستور شهد له الجميع بمدى تقدمه السياسي عن سابقه. فإضافة إلى المشاركة المكثفة في الدعاية لمشروع هذه الوثيقة الدستورية، عم ارتياح كبير في مختلف أرجاء الوطن للصيغة الجديدة التي تم اعتمادها في إعادة تحديد طبيعة العلاقات والمسؤوليات والاختصاصات في مختلف المجالات ما بين المؤسسات المحورية في الدولة. وهنا لا بد أن نشير أن التجربة التونسية في خلق الاستثناء الدستوري في المجالين الثقافي والعقائدي قد تحولت إلى نموذج بارز في المنطقة، استثناء جعلنا في نفس الوقت نلامس في مختلف التظاهرات السياسية الدولية الدعم الغربي لهذا المنعطف السياسي الهام في هذا البلد الشقيق، ونحس بحاجة الاستثناء المغربي إلى تعديلات جديدة لتحقيق الامتياز الدستوري مغاربيا وعربيا تحد بشكل نهائي من الصراعات القائمة على أسس دينية وعقائدية. نقول هذا، لأننا نلمس اليوم، من خلال احتكاكنا بالقوات الشعبية، أن المواطنين المغاربة، نتيجة لتطور وسائل الإعلام المختلفة، أصبحوا أكثر ارتباطا بالحاجة إلى تحسين أوضاعهم المعيشية إلى درجة أصبح يصعب "تهدئتهم" وضمان خضوعهم بالشعارات الدينية المبتدعة. وإن دل هذا على شيء فإنما يدل عن حاجة المغاربة إلى المرور إلى منطق سياسي جديد يقوم على أساس الإشراك الفعلي للمواطنين وكل القوى السياسية والمجتمعية في تدبير الشأن العام، والتركيز على تقوية الحس الوطني ونزعة الحفاظ والدفاع على الوحدة الترابية.
وعليه، وباستحضار ما سبق، يبقى تتبع مسار حكومة ما بعد الدستور الجديد وانتقادها من الواجبات السياسية لكل مناضل وفاعل سياسي، وتعبير في نفس الآن عن المسؤولية الوطنية في الدفاع على حق المغاربة في المرور إلى مراحل سياسية جديدة أكثر تقدما. بالطبع، المشهد السياسي الحالي، الذي يلعب فيه حزب العدالة والتنمية دورا محوريا (قائد التجربة السياسية الأولى ما بعد دستور 2011)، لا يمكن القفز على أهمية أحداثه وعن الرمزية السياسية لتطوراته، وعن القيمة المضافة التي أغنت قاموس التاريخ السياسي المغربي بمراحله الثلاث الأساسية (مرحلة ما قبل 1998، مرحلة الانتقال التوافقي ما بين عهدين ومرحلة الدستور الجديد). فبعدما طغى على هذا المشهد في الأمس القريب المزايدات السياسية والتصريحات الاندفاعية، سجل المتتبعون اليوم نوع الاحتكام إلى التواضع في التصريحات وفي منطق تدبير الشأن العام. لقد استبشر المغاربة خيرا وهم يتابعون رئيس حكومتهم وهو يردد مؤخرا أن ما يهمه هو استقرار البلاد واستمرار الدولة. إنه تواضع واضح ذا طبيعة تنم عن حدوث نوع من القطيعة مع ممارسات الماضي، تواضع يدفع إلى افتراض وجود استعداد حقيقي للانخراط الفعلي في منطق جديد يغلب مصلحة البلاد ومصلحة الشعب المغربي عن المصالح الفئوية الضيقة.
إننا اليوم، وبدون شك، نعيش مرحلة جديدة في حياتنا السياسية والاقتصادية والثقافية، مرحلة تحتاج إلى تسخير ثمار التطورات في هذه المجالات في تحقيق التنمية الاجتماعية (التوزيع العادل للثروات). وعليه، فسيناريوهات التحالفات ما بعد الاستحقاقات البرلمانية القادمة تشكل اليوم بلا شك انشغالا دائما يؤرق تفكير الوطنيين في هذه البلاد. من المحتمل جدا في سياق الاحتكام إلى التواضع والموضوعية النسبية في التعبير عن المواقف وإصدار التصريحات المختلفة، أن المغرب لن يعرف اكتساحا سياسيا لحزب معين. فمن المحتمل أن يكون عدد المقاعد التي ستحصل عليها الأحزاب السياسية القوية في الاستحقاقات البرلمانية المقبلة متقاربا، وحتى في حالة تصدر حزب العدالة والتنمية لهذه النتائج، سيكون المغرب في وضع جديد، قد يعطي للمفاوضات في شأن تشكيل الحكومة طابعا خاصا، طابع قد يرجح فرضية تشكيل حكومة ائتلاف وطني تمكن البلاد من استثمار الدبلوماسية الحزبية بأبعادها الإقليمية والجهوية والدولية في تقوية المكانة السياسية للمغرب على المستوى الدولي. كما أن ترجيح هذا الاحتمال ستكون له تأثيرات وتداعيات وطنية قد تساهم في توفير شروط الانخراط الرسمي لقوى جديدة في الحياة السياسية (العدل والإحسان وحزب النهج الديمقراطي كنموذجين)، انخراط قد يكون بمثابة دخول المغرب إلى مرحلة تشكيل الأقطاب السياسية الإيديولوجية التي ستتيح التأويل الحداثي للدستور المغربي.
خاتمة
إجمالا، وكيف ما كان الحزب الذي سيتصدر المشهد السياسي، سيكون من واجب حزب العدالة والتنمية التعبير عن الاستعداد للمشاركة في الحكومة المقبلة لإغناء تجربة مناضليها في تدبير الشأن العام من خلال الاحتكاك مع مناضلي الأحزاب التاريخية، وتسخير ذلك في خدمة مصلحة الشعب المغربي وتقوية الإجماع الوطني في الدفاع على الوطن وحماية وحدته الترابية.
ما يحتاجه المغرب في العشرية المقبلة، في اعتقادي، هو تحويل مرحلة ما بعد إعلان نتائج الاستحقاقات البرلمانية القادمة إلى منعطف حقيقي يؤسس، عبر التنافس ما بين القطاعات الحكومية، للتناوب السياسي الإيديولوجي. أما فرضية خروج العدالة والتنمية إلى المعارضة (افتراض أعتبره ضعيفا)، لن يكون نافعا إلا في حالة ما إذا كان دافعا سياسيا لانخراط العدل والإحسان في العملية السياسية، ولتجميع اليسار بمختلف مشاربه في كتلة اشتراكية. وكيف ما كانت التحالفات مستقبلا، لم يعد مستساغا السكوت على تأجيج الصراع السياسي على أسس عقائدية وإثنية، أسس تساهم في استمرار منطقين لكتلتين سياسيتين متنافرتين ومتصارعتين، الأولى تتكيف مع المعتقدات الدينية للمغاربة كيف ما كانت ولا تستثمر في عقلنتها للانقضاض على أصواتهم، وأخرى تسعى إلى تحديث وتطوير المعتقدات السائدة وخلق التنافس على أسس فكرية واضحة.
