محنة الإسلاميين بين طموحات الثورة ومقتضيات الدولة

محنة الإسلاميين بين طموحات الثورة ومقتضيات الدولة

سعيد الزغوطي

ليس ثمة أدنــى شك في كون اللحظات التي ميزت سقوط أنظمة التحكم في تلكم المدة الزمنية المتقاربة، قدواكبها نوعا من الذهول والغرابة، "كأن الفرج حين أتى، انبرى مرة واحدة"، فحتى شعوب المنطقة طرأت عليها تعديلات قطعت بموجبها مع ما كان يمنعها من حواجز وخوف، إذ خرجت تردد بلسان واحد كلمة ارحل، الشعب يريد الحرية، الشعب يريد إسقاط النظام.

 كان من تداعيات ذلك أن أُسقطت أنظمة، وتم إحراز العديد من المكتسبات في المناخ السياسي العام، في القوانين، في الآليات الديمقراطية المستعملة، وأساسا في التجديد الحاصل سواء علىرأس هرم السلطة أو في تجديد النخب السياسية عبر تصدر التيار الإسلامي لواجهة الأحداث.

لم تكتمل حتى دورة صغيرة على هذا التوقيت، وعلى أبعد تقدير في حدود السنتين تقريبا، حتى بدا التاريخ وكأنه راجع إلى الخلف، حيث بدا جزء من الإحساس العام وكأنه يحن إلى اللحظات التي وإن ميزتها "الديكتاتورية والقمع والتحكم"، إلا أنها وعلى الأقل كانت تتميز بنوع من الاستقرار الظاهري وبنوع من الأمن والأمان.

مرد ذلك ربما، وفي جزء منه، إلى عدم قدرة الأحزاب"المسماة إسلامية" والتي تم وضع الثقة فيها بالكامـــل،على تحقيق الطموحات والشعارات المرافقة للثورة، إذ يمكن اعتبار أن  هذه التيارات لم تكن محظوظةبالكامل،لكونها قد أخذت الحكم في التوقيت الخطأ، في ظرفية كان فيها حظ "العاطفة والانفعال" كبير، حيث تم وضعها في موقع تحقيق جزء كبير من الطموحات والشعارات التي ينادى بها في الشارع.

 ففي حجم وقيمة الإنجاز المُحَقَّق (إسقاط النظام)، كان على الحركات الإسلامية أن تُقْدم على إنجازات كبرى يتحقق فيها "مجتمع العدل والعدالة الاجتماعية والكرامة" دفعة واحدة، وهو الأمر الذي اعتذرت عن تحقيقه هذه الأخيرة، إذ ولمجُرد انطلاق هذه الحركات من المرجعية الإسلامية،كان الاعتقاد "الخطأ السائد"، يقول بإمكانية هذه الحركات تقديم الحلولللمشكلات الاجتماعية الحاصلة (الإسلام هو الحل)، في تجاهل تام للمنطق ولميكانيزمات التغيير والإصلاح.

للاعتبار الذاتي نصيب هام في فهمبعض جوانب العجز في المهمة التي انتُدب من أجلها هذا التيار، بالنظر لضعف التجربة والخبرة ولقلة الكوادر والكفاءات، إذ الواضح أن التيار الإسلامي ولسنوات كان مصطفا في صفوف المعارضة، وهو ما مكنه من تطوير شعارات وخطاب المعارضة، ومن تطوير آلياتهوهياكله التنظيمية، كماتمكنمن تقديم نماذج مستحسنة في ما يخص إعمال مفاهيم الدمقرطة واحترام القوانين والمقررات وفي احترام نتائج المؤتمرات، على النقيض من ذلك لم يراكم هذه التيارخبرة في جوانب التسيير وتدبير أمور الدولـــة، وهو ما جعل تدبيره(حين أُتيحت له الفرصة) يتسم بنوع من الارتباك وبنوع من التراجع على بعض المقولات الكبرى المُسطرة في برامجه،كما حصل مع العدالة والتنمية المغربي حين تم إسقاط شعار "محاربة الفساد" من قاموسه وتم تعويضه بعفا الله عما سلف، تحت ذريعة أنه لا يمكن مطاردة الساحرات.

من جهة أخرى يبدو بأن التيار الإسلامي وتحت تأثير نشوة الفوز، لم يدرك بأن النظام الذي تم إسقاط رأسه،لم يغادر الساحة نهائيا، إذ ما يزالأذنابه وبقاياه يفعلون فعلتهم تحت الأنقاض، في شكل لوبياتتتحكم في جزء كبير من مقدرات البلد، وهو الأمر الذي كان يتطلب نوعا من التدبير الحكيم والمتسم بالمرونة وعدم التصلب، وإلى محاولة تجميع كل طــاقــات وإمكانيات البلد في شكل تحالف وتوافق موسع حتى لا يُفهم بأن الأمر فيه"استغلال ظرف" واستفراد والتفاف على "محصول ثورة"بقدر ما أن للأمر علاقة "بتأمين وضع"يراد من خلاله ضمان استفادة الجميع.

وهو الأمر الذي كان يتعين أن يدفع في اتجاه الإبقاء عل المشترك الذي يوحد الجميع، والمتمثل في تأمين شروط القطع مع أجواء التسلط وخلق الظروف المناسبة لازدهار الحريات والدمقرطة والتداول السلمي على السلطة، وهي المهمة التي يبدوبأن التجربة التونسية كانت موفقة فيها إلى حد كبير،على عكس التجربة المصرية مع الإخوان المسلمين حيث لم يمتلك الرئيس مرسي سعة الصدر الكافية ولم يتحل بالقدر اللازم من روح التوافق في مرحلة جد حساسة، استغل فيها الجيش جزء من الفراغ الحاصل بتواطؤمع بقايا النظام السابق ومن الحاقدين على اللون الإسلامي وبتغطية ودعم مالي خليجي ليتم الانقلاب على التجربة وإرساء السيسي.  

على أنه، وأمام التأثير السلبي "لمخرجات الثورة" كما حصل في ليبيا من صراعات دموية وفي تونس من اغتيالات وفي سورية من قتل للأطفال بصورة بشعة وفي مصر من مآسي رابعة، كل هذه المشاهد أدت إلى فقدان الثورة لبريقها لدى رجل الشارع العربي بحكم كون الثورةقد بدت وكأنها تأكل أبناءها وباتت ترتبط بالدم والاقتتال والتناحر أكثر من أي شيء آخر، كان من نتيجة ذلك أن بدأ يسود نوع منالحنين إلى دولة التسلط مقابل ما يقدم من مشاهد في إراقة الدماء ومن انفلاتأمني، زد على ذلك ما بات يقدمه حاليا "النموذج الإسلامي الخطأ" المسمىداعش من مآسي وهويقدم على تلكم الجرائمالإرهابية والمقززة،مما جعل البعض يتولد لديه نوع من الانطباعالسلبي عن كل ما هو إسلامي أو ما يرمز له.

ربما كان التعطش في السابق مرتبط بالرغبة في تجريب وصفة الإسلاميين في الحكم لدى رجل الشارع العربي، إذ كان الاعتقاد بأن هذا التيار يمتلك وصفة الحل لجزء من مشكلات البلد ولأوضاع التخلف والعجز الذي ترتع فيها الأمة، حيث غالبا ما كان يتم تحميل الأنظمة والتيارات سواء منها الليبرالية أو الاشتراكية الشيوعية جل مشكلات البلد، أما اليوم فربما انضاف إلى القائمة حتى التيار الإسلامي الذي لم يستطع "بحسبهم" الاضطلاع بحقيقة المهمة التي تم تكليفه بها، وهو ما بدأ ينمي نوعا من الإحساس ولو على سبيل الخطأ بأن الطبقة السياسية بجل أطيافها ليست في مستوى الحدث.

بعد شبه خيبة الأمل من النتائج المحصل عليهافي الربيع العربي، ربما نكون في حاجة إلى تطوير نوع من الخطاب البيداغوجيوإلى نوع من التأهيل السياسي والثقافي الذي يجعل التغيير غير مرتبط بلحظة تاريخية أو حدث مهما علا شأنه وكبرت قيمته، كما هو الحال مع لحظة الثورة، بقدر ما أن للتغييرمنطقه وخاضع لمسار طويل وشاق، وقد لايشكل فيه البعد السياسي إلا أحد واجهاتهالهامة والبارزة، من دون إغفالباقي الأبعاد التربوية والثقافية الضروريةلبناء المواطن الذي من المفترض أن يمتلك قسطا من الآليات والوسائل المعرفية التي تمكنه من التمييز واختيار الأصلح.

 

على أن هذا الاختيار حين يأتي وقته لحظة الانتخابات مثلا،لا يكون من منطلقامتلاكالأحزاب المنتخَبَة لوسائل وآليات "الخلاص الكُلي" بقدر ما أن الأمر له علاقة بربح بعض النقاط في مسارات الإصلاح عبر ما تقدمه برامج هذه الأحزاب من مقترحات تفصيلية وجد مقدرة في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، مصطلح الإيديولوجيا بدوره ربما يمر هو الآخر بفترة عصيبة من تاريخه اعتبارا لكونهلم يعد كافيا لوحده لتقديم الحلول والبدائل، نحتاج في مقابل "الإخلاص الإيديولوجي" إلى أشياء لها علاقة بالصواب والمعرفة والتمكن أو ما يعرف في قاموس الإسلاميين "بفقه الواقع".

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة