أخبارنا المغربية – عبدالإله بوسحابة
في عالم الاستخبارات والأمن، لا تُقاس قيمة المسؤولين بحجم الأضواء المسلطة عليهم، بل بمدى ما ينجزونه في الظل، وبعدد المخاطر التي يتم تفكيكها قبل أن تتحول إلى كوارث. وفي هذا السياق، يظل اسم السيد عبد اللطيف الحموشي، المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني، واحدا من أكثر الأسماء إثارة للاهتمام والجدل في آن واحد، ليس فقط داخل المغرب، بل أيضا في دوائر أمنية دولية معقدة ومتشابكة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة اليوم هو: لماذا يثير هذا الاسم تحديدا كل هذا القلق والانزعاج لدى من يمكن وصفهم بـ"خفافيش الظلام" في الداخل والخارج؟
الإجابة لا يمكن اختزالها في بعد واحد، لأننا أمام تراكم نوعي في الأداء الأمني المغربي خلال العقد الأخير، جعل من التجربة المغربية حالة استثنائية في محيط إقليمي مضطرب، ومن أجهزتها الأمنية فاعلا مركزيا في منظومة مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة على الصعيد الدولي.
أول عناصر هذا القلق يكمن في التحول الجذري الذي شهدته المقاربة الأمنية المغربية، حيث انتقلت من منطق رد الفعل إلى منطق الاستباق. فالمغرب لم يعد ينتظر وقوع التهديدات حتى يتحرك، بل أصبح يعتمد على تفكيك الخلايا الإرهابية قبل انتقالها إلى مرحلة التنفيذ، وهي مقاربة أثبتت نجاعتها في عشرات العمليات التي تم الإعلان عنها رسميا، وأسفرت عن إحباط مخططات كانت تستهدف أمن المملكة واستقرارها.
ولعل ما يفسر المكانة التي بات يحتلها الحموشي على الصعيد الدولي، هو نجاحه في ترسيخ نموذج أمني يقوم على الاحترافية واليقظة والتنسيق المحكم بين مختلف الأجهزة. وهو ما جعل المغرب يتحول تدريجيا إلى شريك موثوق لدى كبريات القوى الدولية في مواجهة التهديدات الإرهابية والجريمة المنظمة العابرة للحدود.
فقد سبق لعدد من الدول الوازنة أمنيا، على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وإسبانيا وفرنسا وألمانيا وغيرها، أن أشادت في أكثر من مناسبة بجودة المعلومات الاستخباراتية المغربية، وبالدور الذي لعبته في إحباط مخططات إرهابية وعمليات إجرامية خطيرة قبل تنفيذها. وهذا النوع من الاعتراف لا يُمنح بالمجان، بل يُبنى عن طريق سنوات من العمل الدؤوب والمصداقية العالية والنتائج الملموسة على أرض الواقع.
ولعل من أبرز النماذج التي تعكس هذا الحضور القوي، العمليات المتتالية التي نجحت من خلالها الأجهزة المغربية في تفكيك خلايا مرتبطة بتنظيمات إرهابية عابرة للحدود، بعضها كان يخطط لاستهداف المغرب، وبعضها الآخر كان يستهدف دولا أوروبية. وقد أثبتت هذه العمليات أن المغرب لم يعد مجرد مستهلك للمعلومة الأمنية، بل أصبح منتجا لها ومصدرا لها وشريكا أساسيا في حماية الأمن الإقليمي والدولي.
غير أن الأثر الحقيقي لهذه النجاحات يتجاوز بكثير حدود الجانب الأمني التقليدي. فخلال السنوات الأخيرة، تحولت الكفاءة الأمنية المغربية إلى أحد أهم مصادر القوة الناعمة للمملكة، وإلى رافعة استراتيجية عززت موقعها الدبلوماسي لدى عدد من الشركاء الدوليين. وفي عالم أصبحت فيه قضايا الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية ضمن أولويات الأجندات الدولية، باتت المعلومة الأمنية المغربية تحظى بقيمة عالية لدى العديد من العواصم المؤثرة.
ومن هنا برز بقوة مفهوم "الدبلوماسية الأمنية" التي نجح المغرب في توظيفها بذكاء لخدمة مصالحه الاستراتيجية وتعزيز حضوره الدولي. فالثقة التي راكمتها الأجهزة الأمنية المغربية لدى شركائها لم تعد مجرد تعاون تقني أو تبادل معلوماتي عابر، بل تحولت إلى رصيد دبلوماسي مهم ساهم في تعزيز صورة المملكة كدولة مستقرة وموثوقة وقادرة على إنتاج الأمن وتصديره كشريك مسؤول داخل محيط إقليمي ودولي مضطرب.
بل إن عددا من المتتبعين للشأن الأمني الدولي باتوا يعتبرون أن جزءا مهما من المكانة التي يحتلها المغرب اليوم على الساحة الدولية يرتبط بشكل مباشر بالنجاح الذي حققته مؤسساته الأمنية والاستخباراتية في مواجهة التهديدات العابرة للحدود. وهو ما منح المملكة قوة تأثير إضافية عززت حضورها الإقليمي والدولي ورسخت صورتها كشريك لا غنى عنه في معادلات الأمن والاستقرار.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال الدور المحوري الذي لعبه السيد عبد اللطيف الحموشي منذ توليه هذه المسؤولية الثقيلة في ترسيخ هذا النموذج الأمني الذي أصبح محل إشادة وتقدير دوليين. ولذلك، فإن الجهات التي تضايقها المكانة المتنامية للمغرب أو التي راهنت لسنوات على إضعاف حضوره الإقليمي والدولي، تجد نفسها منزعجة من كل نجاح يعزز صورة المملكة كقوة استقرار وشريك موثوق.
بالموازاة مع ذلك، حقق المغرب تقدما لافتا في مكافحة شبكات الاتجار الدولي بالمخدرات والجريمة المنظمة والهجرة غير الشرعية، وهي شبكات ترتبط في كثير من الأحيان بتمويلات عابرة للحدود وبمصالح مالية ضخمة. وقد ساهم تفكيك عدد من هذه الشبكات في إرباك مخططاتها وتضييق هامش تحركها بشكل غير مسبوق.
هذا التراكم في النتائج لم يكن ليمر دون أن يخلق ردود فعل معاكسة. فكلما ارتفع منسوب النجاح الأمني المغربي، كلما تصاعدت بالمقابل حملات التشويش والاستهداف، التي تتخذ أشكالا متعددة، بين أخبار مفبركة وتسريبات موجهة، إلى حملات رقمية منظمة تسعى بكل السبل المتاحة إلى النيل من صورة المؤسسات الأمنية ورموزها.
غير أن ما يغيب عن أصحاب هذه الحملات هو أن قوة النموذج الأمني المغربي لا تقوم على الأشخاص فقط، بل على مؤسسات متماسكة راكمت خبرة كبيرة وثقة دولية واسعة. لأجل ذلك فإن محاولات التشويش سرعان ما تتكسر أمام حجم الإنجازات الميدانية والشراكات الدولية التي تواصل التوسع سنة بعد أخرى.
وفي خضم هذا المسار المميز جدا، تبرز الثقة الكبيرة التي يحظى بها السيد عبد اللطيف الحموشي من قبل جلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، باعتبارها تعبيرا واضحا عن تقدير المؤسسة الملكية للدور المحوري الذي تضطلع به الأجهزة الأمنية في حماية استقرار المملكة وصيانة أمنها ووحدتها الترابية. كما تعكس قناعة راسخة بنجاعة هذا النموذج الأمني الذي مكن المغرب من مواجهة تحديات معقدة في محيط إقليمي شديد الاضطراب.
واللافت للانتباه أيضا أن الحموشي لم يسع يوما إلى صناعة صورة إعلامية لنفسه، بل ترك النتائج تتحدث عنه. ولذلك فإن خصومه لا يواجهون خطابات أو شعارات، بل يواجهون حصيلة من الإنجازات الميدانية التي يصعب الطعن فيها أو التقليل من أهميتها.
ومن هنا نفهم طبيعة هذا القلق الذي يرافق اسمه. إنه ليس قلقا شخصيا تجاه رجل بعينه، بقدر ما هو قلق من نموذج أمني أثبت فعاليته، ومن مؤسسة نجحت في تقليص هامش الفوضى، وتضييق الخناق على التنظيمات الإرهابية وشبكات الجريمة المنظمة، وإفشال رهانات كل من كان يعتقد أن المغرب يمكن أن يتحول إلى ساحة رخوة للتهديدات الأمنية.
وإذا كانت الدبلوماسية التقليدية تُقاس بعدد الاتفاقيات والتحالفات، فإن الدبلوماسية الأمنية تُقاس بحجم الثقة التي تضعها الدول في شريكها. وفي هذا المجال تحديدا، نجح المغرب في بناء رصيد استراتيجي ثمين جعله شريكا أساسيا في معادلة الأمن الإقليمي والدولي، وهو نجاح لا يمكن فصل جزء مهم منه عن البصمة التي حملها اسم عبد اللطيف الحموشي خلال السنوات الأخيرة.
وفي النهاية، يمكن القول إن استهداف الحموشي لا ينفصل عن استهداف نموذج أمني مغربي أصبح اليوم محل احترام وتقدير دوليين. نموذج يقوم على الاستباق، والمعلومة الدقيقة، والاحترافية العالية، والتعاون الدولي الفعال. ولذلك، فإن كل نجاح جديد يحققه هذا النموذج لا يزيد أعداء الوطن في الداخل والخارج إلا انزعاجا وقلقا، سواء كانوا إرهابيين أو مهربي مخدرات أو جهات معادية تراهن على إضعاف استقرار المملكة.
ومهما تعددت حملات التشويش، تبقى الحقائق أكثر قوة من الادعاءات، وتظل الإنجازات الميدانية أكبر من أن تحجبها روايات كاذبة أو عابرة. فالأوطان تُبنى بالعمل، والمؤسسات تُقاس بالنتائج، والتاريخ لا يتذكر في النهاية سوى الذين تركوا بصمة حقيقية في خدمة أمن أوطانهم واستقرارها.
