بقلم نجيب الأضادي
منذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش، لم يكن مسار الإصلاح في المغرب مجرد استجابة ظرفية لتحولات داخلية أو خارجية، بل كان مشروعا استراتيجيا متكاملا لإعادة بناء الدولة على أسس حديثة، قوامها التدرج، والتوازن، والنجاعة المؤسساتية. وقد تجسد ذلك في تراكم إصلاحي نوعي شمل العدالة الانتقالية عبر هيئة الإنصاف والمصالحة، وتحديث الحكامة عبر مؤسسات الوساطة، وإعادة هيكلة الحقلين الأمني والاستخباراتي، إلى جانب ترسيخ هندسة دستورية جديدة مع دستور 2011، بما عزز استقلال القضاء وفصل السلط وربط المسؤولية بالمحاسبة.
هذا البناء الداخلي المتماسك لم يكن معزولا عن التحولات الجيوسياسية الدولية، بل شكل قاعدة صلبة لانبثاق دبلوماسية مغربية فاعلة، قائمة على التراكم والخبرة التفاوضية في تدبير القضايا الحيوية. فقد استطاع المغرب، بفضل هذا المسار، أن يتحول من فاعل تقليدي إلى قوة اقتراحية داخل النظام الدولي، مستفيدا من تحولات عميقة تعرفها العلاقات الدولية، حيث لم تعد التحالفات جامدة ولا موازين القوة ثابتة.
إن الدبلوماسية المغربية، كما تتبدى اليوم، ليست مجرد امتداد للسياسة الداخلية، بل هي إعادة صياغة لعقيدة الدولة في بعدها الخارجي، قائمة على تنويع الشركاء، وتحصين القرار السيادي، واعتماد مقاربة استباقية في التموقع داخل القضايا الإقليمية والدولية. وقد توج هذا المسار بتحقيق مكاسب استراتيجية كبرى، في مقدمتها اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بسيادة المغرب على صحرائه، وتزايد عدد القنصليات بالأقاليم الجنوبية، إلى جانب التحول النوعي في مواقف العديد من الدول داخل الاتحاد الإفريقي، بما يعكس نجاعة الاختراق الدبلوماسي المغربي.
غير أن هذا الصعود الخارجي يوازيه إدراك داخلي صريح بحدود النموذج التنموي السابق، وهو ما عبرت عنه أعلى سلطة في البلاد بجرأة سياسية نادرة، من خلال الدعوة إلى بلورة نموذج تنموي جديد، قادر على تحقيق الإقلاع الاقتصادي والعدالة الاجتماعية. وهنا يتضح الترابط البنيوي بين نجاح الدبلوماسية ونجاعة الجبهة الداخلية، إذ لا يمكن لأي اختراق خارجي أن يصمد دون قاعدة داخلية متماسكة سياسيا واجتماعيا واقتصاديا.
في هذا السياق، يواجه المغرب تحديا مزدوجا: من جهة، مواصلة تعزيز حضوره الدولي في بيئة عالمية تتسم بعدم اليقين، ومن جهة ثانية، معالجة اختلالات الحكامة التي تعيق تنزيل الإصلاحات. فالمشكل لم يعد في النصوص أو الرؤى الاستراتيجية، بل في كفاءة جزء من النخب المكلفة بالتنفيذ، والتي أصبحت مطالبة إما بالارتقاء إلى مستوى التحديات أو إفساح المجال لنخب جديدة قادرة على حمل مشروع الدولة.
إن حصيلة 27 سنة من حكم الملك محمد السادس تكشف عن تحول عميق في بنية الدولة المغربية، انتقال من منطق التدبير إلى منطق الاستباق، ومن رد الفعل إلى صناعة المبادرة، ومن الانغلاق النسبي إلى الانخراط الفاعل في تشكيل التوازنات الإقليمية والدولية. وهو مسار، رغم ما راكمه من مكتسبات، لا يزال مفتوحا على رهانات كبرى، حيث تظل معركة التنمية والحكامة الجيدة هي الاختبار الحقيقي لاستدامة هذا النموذج.
