لقجع تحت مجهر نقاش سياسي ساخن.. هل يستحق الرجل فعلا قيادة الحكومة المقبلة؟
مع اقتراب موعد الانتخابات، بدأ النقاش حول رئيس الحكومة المقبل يتجاوز الحسابات الحزبية التقليدية، لينفتح على سؤال أكثر أهمية: من هو الشخص القادر فعلا على قيادة المرحلة القادمة؟ وفي خضم هذا النقاش، برز اسم فوزي لقجع بشكل لافت على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث بات عدد من النشطاء والمتابعين والمهتمين بالشأن العام، بل وحتى بعض المختصين، يرون فيه أحد أكثر الأسماء قدرة على تحمل مسؤولية رئاسة الحكومة، ليس فقط بسبب ما حققه في المجال الرياضي، وإنما بالنظر إلى مسار إداري ومالي وسياسي غالبا ما يتم تجاهله عند الحديث عنه.
فلقجع ليس مجرد مسؤول رياضي، بل اشتغل لسنوات في قلب الدولة وماليتها، حيث تولى منصب مدير الميزانية، قبل أن يشغل مهمة الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، وهي مسؤوليات جعلته على اطلاع دقيق بمالية الدولة، وبميزانيات مختلف القطاعات، وبالإمكانيات الحقيقية المتاحة لتنفيذ السياسات العمومية. هذه الخبرة تمنحه، في نظر داعمي ترشحه لرئاسة الحكومة، أفضلية مهمة، لأن رئيس الحكومة لا يحتاج فقط إلى الخطاب السياسي، بل إلى القدرة على فهم الأرقام، وتدقيق المشاريع، ومساءلة الوزراء، ومعرفة ما يمكن إنجازه فعليا وما لا يتجاوز حدود الشعارات والوعود. ومن عاش لسنوات داخل "مطبخ" المالية العمومية، لن يبدأ تدبير الحكومة من الصفر، ولن يكون من السهل تمرير أرقام أو معطيات غير دقيقة أمامه، وهي ميزة تضاف إلى رصيده الكبير من التجارب التي ارتبطت بمنطق النتائج والإنجاز.
في المقابل، يطرح هذا النقاش سؤالا مشروعا حول جدوى إعادة تجريب وجوه وأحزاب سبق أن أتيحت لها فرصة قيادة الحكومة. وعلى سبيل الذكر، حزب العدالة والتنمية حكم لولايتين كاملتين، ووصل إلى السلطة وهو في أوج قوته التنظيمية والانتخابية والشعبية، ومع ذلك يرى منتقدوه أنه فشل فشلا ذريعا في تحقيق النموذج الذي وعد به. لذلك يحذر متابعون من الوقوع مجددا في شِراك خطابه المبني على التباكي والمظلومية ومحاولة استثمار الذاكرة العاطفية للناخبين، بدل مواجهة الحصيلة الحكومية بجرأة. فإذا كان الحزب لم ينجح في تحقيق ما وعد به وهو في أقوى مراحله، فكيف سيتسنى له اليوم تحقيق وعوده بعد كل ما أصابه من تراجع وتشتت وفقدان جزء كبير من رصيده السياسي؟
أما حزب التجمع الوطني للأحرار، فرغم أن حكومته واجهت ظروفا بالغة الصعوبة، بين أزمات دولية وتضخم وجفاف وضغوط اجتماعية واقتصادية، فإن صعوبة المرحلة لا يمكن أن تتحول إلى إعفاء من المحاسبة. فالأزمات، بقدر ما تختبر الحكومات، تمنحها أيضا فرصة لإثبات قدرتها على الابتكار وتقديم حلول تكسب بها ثقة الناس. غير أن منتقدي التجربة الحالية يرون أن الحكومة لم تنجح في تحويل هذه الظروف إلى رصيد سياسي، وأن عددا من اختياراتها وقراراتها ساهم في توسيع دائرة الغضب بدل منحها مشروعا واضحا يخفف آثار الأزمة ويجعلها جزءا من الحل. وفي المقابل، يبرز حزب الأصالة والمعاصرة كخيار لم يُختبر بعد على مستوى قيادة الحكومة، رغم تموقعه في التحالف الحالي، ما يمنحه فرصة لتقديم نفسه باعتباره تجربة جديدة ببرنامج انتخابي يضم، بحسب مؤيديه، أفكارا واقعية وقابلة للتنفيذ، استفادت في جانب مهم منها من خبرة لقجع في المالية والتدبير.
لكن سؤال: لماذا فوزي لقجع البروفايل الأنسب للمرحلة؟ يقود حتما إلى سؤال آخر: كيف يمكن أن يصبح رئيسا للحكومة؟ هنا تأتي المعادلة الدستورية بوضوح، إذ ينص الفصل 47 من الدستور على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي يتصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها. وبالتالي، فإن من يرى في لقجع الشخص الأنسب لقيادة الحكومة المقبلة، لا يمكنه فصل هذا الاختيار عن الخيار الانتخابي، لأن الطريق إلى رئاسة الحكومة يمر أولا عبر تصدر حزب الأصالة والمعاصرة لنتائج الانتخابات. وهذا لا يعني أن الحزب سيحكم منفردا بمجرد تصدره النتائج، إذ يبقى تشكيل الأغلبية الحكومية رهينا بالمفاوضات السياسية، لكنه يعني أن الراغبين في وصول لقجع إلى رئاسة الحكومة يعرفون مسبقا أين يبدأ الطريق.
في النهاية، قد يختلف المغاربة حول فوزي لقجع، كما قد تختلف الآراء حول تجربته ومؤهلاته، لكن طرح اسمه اليوم يعكس، قبل كل شيء، رغبة متنامية في البحث عن قيادة مختلفة للحكومة، قيادة تجمع بين الخبرة السياسية والمعرفة الدقيقة بآليات الدولة والقدرة على التعامل مع الأرقام والنتائج. وبين أحزاب سبق أن اختبرت الحكم واستنفدت جزءا من رصيدها، وحزب يطمح إلى الاستمرار رغم حجم الانتقادات التي تواجهه، تطرح تجربة الأصالة والمعاصرة نفسها كخيار جديد، فيما يظل اسم لقجع في قلب هذا النقاش. ومن يريد فوزي لقجع رئيسا للحكومة، عليه في النهاية أن يدرك أن الطريق إلى ذلك لا يمر عبر الأمنيات ولا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما يبدأ من صناديق الاقتراع، ومن تصدر الأصالة والمعاصرة لنتائج الانتخابات.

أضف تعليقك
شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.