الرئيسية | سياسة | بين دكتاتورية قيس وترهات تبون!

بين دكتاتورية قيس وترهات تبون!

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
بين دكتاتورية قيس وترهات تبون!
 

بقلم:  اسماعيل الحلوتي
صحيح أن تاريخ العالم العربي عامة والمغاربي خاصة، حافل بالأحداث التي تروي قصصا عن فساد واستبداد بعض الأنظمة التي تناوبت على الحكم سواء منها المدنية أو العسكرية، حيث هناك عدد من القادة حولوا بلدانهم بثرواتها المعدنية والنفطية الهائلة إلى مجرد إقطاعيات لهم ولعائلاتهم، وسخروا موارد دولهم لغير مصالح شعوبهم في إشباع نزواتهم وضمان الاستمرار في السلطة أو في عديد القضايا الخاسرة. وجعلوا من استشراء الفساد ثقافة تقتضي التشجيع وحسن الرعاية، حتى صار من المستبعد رؤية المشهد في العالم العربي بمعزل عن ثنائية الفساد والاستبداد، وهكذا كان الكثير من الحكام المستبدين رموزا للفساد، من خلال التصرف في مقدرات أوطانهم على اعتبار أنها إرث لهم ولعائلاتهم والمقربين منهم...
غير أن التاريخ المعاصر لم يعرف رؤساء عرب أكثر دكتاتورية وغباء من الرئيسين التونسي قيس سعيد والجزائري عبد المجيد تبون. إذ رغم الحظوة التي كان يتمتع بها الأول لدى فئات واسعة من المجتمع التونسي وغيره من المجتمعات العربية وبعض الدول الأجنبية، وفي مقدمتها الجمهورية الفرنسية، لكن سرعان ما تغيرت مواقف الكثيرين، على خلفية إجراءات انقلاب 25 يوليوز 2021، جراء إعلانه عن حل الحكومة وتجميد عمل البرلمان ورفع الحصانة عن جميع نواب الشعب وحل المجلس الأعلى للقضاء...
وفي مقابل استمرار الانقلابي قيس في ترسيخ انقلابه غير مكترث بمعارضيه، وإصراره على المضي قدما نحو تأسيس حكمه الشمولي الأرعن الذي يتماهى مع شخصيته من حيث الغرابة، مانحا نفسه سلطة الحكم بمرسوم وشل الحياة السياسية، ومحاكمة خصومه أمام محاكم عسكرية، وإعادة كتابة الدستور على المقاس، مبررا دكتاتوريته وإجراءاته الفردية والاستبدادية برغبته الجامحة في تطهير البلاد من رموز الفساد وإنقاذها من الأزمة الاقتصادية، والحال أنها لم تزدد إلا تفاقما منذ استيلائه على السلطة.
نجد أن عبد المجيد تبون الذي لم يأت اختياره عبثا من قبل "الكابرانات" ليكون رئيسا صوريا للجزائر، وإنما لما يتميز به من خصلة معاداة المملكة المغربية الشريفة، حيث أنه لم يكن في حله وترحاله يتوقف عن مهاجمة النظام المغربي والمغاربة ناعتا إياهم بأقذع النعوت منذ أن كان رئيسا للوزراء، وهو يواصل ترهاته دون أن يغفل لحظة عن توجيه مدفعيته نحو المغرب الذي يؤرقه مساره التنموي وانتصاراته الدبلوماسية. فقد أبى في ظل ما تراكم من إخفاقات في تدبير الشأن العام وعدم القدرة على النهوض بالأوضاع المتدهورة وبإيعاز من قائده الرئيس الفعلي للبلاد السعيد شنقريحة، إلا أن يجعل من المغرب عدوا خارجيا يهدد أمن واستقرار البلاد والعباد.
ففي إحدى المقابلات الصحفية التي أدمن فيها على نشر الافتراءات والترهات، وسعيا منه إلى محاولة حجب الحقائق والتغطية على مسلسل الهزائم الانتكاسات إن على مستوى الوضع الداخلي أو الدبلوماسي، أدلى تبون أو "كذبون" كما بات يسميه الكثيرون من رواد الفضاء الأزرق بمجموعة من التصريحات العشوائية، التي تعكس حجم التخبط والارتجال اللذين أضحت "العصابة" الحاكمة تعيش على إيقاعهما، حيث قال بأن الجزائر تعرف وضعية جد مريحة من حيث احتياطي الحبوب والمنتوجات الزراعية، فيما الواقع غير ذلك بسبب الأزمة الناجمة عن ندرة عديد المواد الغذائية كالحليب والزيت والسميدة وغيرها، كما تشهد بذلك الطوابير الطويلة للمواطنين الراغبين في الحصول على حصصهم من مواد التموين.
أما في حديثه عن وضعية ملاعب كرة القدم، فقد أضاف دون تردد وبنفس الغلو في ذات المقابلة الصحفية بأنها عرفت تحسنا كبيرا بفضل إسناد مسؤولية إصلاحها إلى وزارة الإسكان، ناسيا أنه هو نفسه من قال في لقاء سابق لم يمر عليه كثير من الوقت بأن الجزائر قادرة على تنظيم كأسين للعالم حالا وليس كأسا واحدة، مما أثار موجة من السخرية على منصات التواصل الاجتماعي. ثم كيف لرئيس دولة عربية
كبيرة وغنية بالنفط والغاز، أن تستكثر على بلد عربي جار تلقيه الدعم حول مقترح الحكم الذاتي في أقاليمه الجنوبية من بلد أوروبي، ويتعلق الأمر بإسبانيا التي عاب عنها هذا التقارب مع المغرب، معتبرا ذلك عملا غير مقبول أخلاقيا وتاريخيا، من غير أن يفرط في ضمان حاجياتها من الغاز الطبيعي؟
ولعل آخر الترهات هنا والآن وأكثرها إثارة للاستغراب والاستهزاء هي تلك التي وردت في حوار بثه التلفزيون الرسمي، الذي عاد سريعا لحذفه بعد توالي الانتقادات الشديدة اللهجة، حيث اتهم "كذبون" فيه بلغة الواثق من نفسه ما وصفها بالأبواق الفاسدة في الدول الأوروبية التي تربط الجزائر بإيران، مشددا على أن الأوروبيين ملزمون بأن يدركوا جيدا أن بعض ديمقراطياتهم ولدت في الجزائر، وأن الثورة البرتغالية ترعرعت في بلده كما هو الأمر بالنسبة للثورة اليونانية والإسبانية...
إنه من المخجل جدا ونحن في القرن الواحد والعشرين أن يستمر في حكم بلداننا العربية مثل هذه النماذج من الرؤساء، التي ينبغي أن يكون مكانها الطبيعي خارج السلطة في مستشفيات الأمراض العقلية، تفاديا لما يمكن أن يترتب عن قراراتها الرعناء من خطورة على بلداننا وشعوبنا، ونسأل الله تعالى أن يفك أسر أشقائنا في كل من تونس والجزائر ويلطف بهم، إنه هو السميع العليم.

مجموع المشاهدات: 10779 |  مشاركة في:

الإشتراك في تعليقات نظام RSS عدد التعليقات (0 تعليق)

المجموع: | عرض:

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

مقالات ساخنة