أخبارنا المغربية ـــ عبدالإله بوسحابة
في سياق إقليمي متوتر وصراع ممتد منذ أزيد من خمسة عقود، أوضح الدكتور عبد الهادي مزراري أن المغرب يواصل، وفق تعبيره، "شنق الجزائر بحبل البوليساريو"، في إشارة إلى التحولات العميقة التي يشهدها ملف الصحراء، والتي يرى متابعون أنها قلبت موازين المواجهة لصالح الرباط، وجعلت من الدعم الجزائري للجبهة الانفصالية عبئاً سياسياً ودبلوماسياً متزايداً على صناع القرار في الجزائر.
وفي هذا الإطار، أكد عبد الهادي مزراري، الكاتب الصحفي المتخصص في العلاقات الدولية، أن الجزائر، منذ إطلاقها ما وصفه بالمخطط الاستراتيجي لإضعاف المغرب عبر ملف الصحراء، جعلت من هذا الملف محوراً مركزياً في سياساتها الداخلية والخارجية، وهو ما رافقه – بحسبه – توجيه شامل لمؤسسات الدولة الجزائرية في اتجاه عدائي تجاه المغرب.
وفي سياق متصل، أوضح مزراري أن هذا التوجه، الذي انطلق منذ عهد الرئيس الجزائري الأسبق هواري بومدين، اعتمد على تعبئة شاملة لكل أجهزة الدولة، بما فيها المؤسسات السياسية والثقافية والتربوية والإعلامية والدينية، بهدف خلق وعي داخلي قائم على اعتبار المغرب "عدواً مركزياً"، وإبقاء المواطن الجزائري في حالة انشغال دائم بهذا الملف، مع تقديم صورة مفادها أن الجزائر في موقع "الدولة الحامية" لقضايا تقرير المصير في المنطقة.
وأضاف أن النظام الجزائري عمل على بناء خطاب داخلي يعتبر أن أي أزمة اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية يمكن تفسيرها من خلال "العدو الخارجي"، في إشارة إلى المغرب، مع ترسيخ فكرة أن الدولة الجزائرية هي "المنقذ" و"حامية الكرامة"، وأن الجزائر تمثل "كعبة الثوار" في المنطقة.
وخارجياً، يؤكد مزراري أن الجزائر لم تدخر جهداً في تحويل قضية الصحراء إلى ساحة مواجهة مفتوحة ضد المغرب، من خلال اختيار جبهة البوليساريو كأداة رئيسية لهذا الصراع، حيث تم احتضانها منذ سنواتها الأولى، وتوفير فضاء استقرار لها في مخيمات تندوف، التي ما تزال قائمة إلى اليوم.
كما أشار المتحدث ذاته إلى أن الجزائر قامت، وفق هذا التصور، بضخ دعم مالي ولوجستي كبير في هذا المشروع، شمل تمويل البنية العسكرية والسياسية للجبهة، بما في ذلك ما يسمى بـ"جيش التحرير الشعبي الصحراوي"، الذي خُصصت له ميزانيات مهمة للتسليح والتدريب والعمليات العسكرية، والتي استمرت خلال فترة الحرب بين 1975 و1991.
وأوضح أن هذا الدعم لم يقتصر على الجانب العسكري فقط، بل شمل أيضاً تحركاً دبلوماسياً واسعاً، حيث جندت الجزائر جهازها الدبلوماسي في مختلف المحافل الدولية، من الأمم المتحدة إلى المنظمات الإقليمية والدولية، من أجل دعم اعتراف الدول بجبهة البوليساريو وتوسيع حضورها السياسي.
وأضاف مزراري أن هذا النشاط رافقه إنفاق مالي كبير شمل تغطية نفقات تمثيليات البوليساريو، وإقامات وفودها، ومصاريف السفر والإيواء والتنقل، في إطار ما وصفه بسياسة دعم ممتدة على مدى سنوات طويلة، كلفت الدولة الجزائرية موارد مالية ضخمة يصعب تحديد حجمها بدقة.
في المقابل، أوضح مزراري أن المغرب اعتمد مقاربة مختلفة تقوم على "الصبر الاستراتيجي"، حيث ركز في المرحلة الأولى على الحسم العسكري، وتمكن من إفشال محاولات التقدم الميداني للبوليساريو رغم الدعم الذي كانت تتلقاه من الجزائر وليبيا وكوبا ودول أخرى من المعسكر الشرقي، إضافة إلى دعم تقني من سوريا وإيران.
وبعد وقف إطلاق النار سنة 1991، أشار المتحدث إلى أن المغرب انتقل إلى مرحلة جديدة ركز فيها على كسب المعركة الدبلوماسية داخل الأمم المتحدة، مع رفض إدخال الملف في أطر إقليمية أخرى، والإصرار على إبقائه تحت إشراف الأمم المتحدة فقط.
وفي هذا السياق، أشار مزراري إلى أن المغرب استطاع استثمار هذا المسار تدريجياً، إلى أن طرح سنة 2007 مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، والتي اعتبرها تحولاً نوعياً في مقاربة النزاع، إذ نقلت النقاش من فكرة الاستفتاء إلى منطق الحل السياسي الواقعي.
وأضاف أن المغرب تمكن من تفكيك عدد من المخططات الأممية السابقة، مثل مخطط الاستفتاء ومخطط الإطار ومخطط بيكر، وصولاً إلى ترسيخ مقترح الحكم الذاتي كمرجعية أساسية في النقاش الدولي.
كما أبرز أن السنوات الأخيرة شهدت تحولات مهمة لصالح المغرب، من بينها تأمين معبر الكركرات سنة 2020، واعتراف الولايات المتحدة بالسيادة المغربية على الصحراء، إلى جانب مواقف داعمة من دول أوروبية مثل ألمانيا وإسبانيا وفرنسا وبريطانيا والاتحاد الأوروبي، فضلاً عن افتتاح عدد من القنصليات في مدينتي العيون والداخلة.
في المقابل، يرى مزراري أن الجزائر أصبحت تواجه تداعيات هذا المسار، حيث سجلت علاقاتها الخارجية توترات مع عدة دول، وتراجعاً في بعض مواقعها الدبلوماسية، إلى جانب محاولات للانضمام إلى تكتلات دولية كبرى لم تحقق النتائج المرجوة، مثل مجموعة "بريكس" ومنظمة شنغهاي، وفق تعبيره.
كما أشار إلى تصريحات لمسؤولين دوليين، من بينهم وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، الذي قال في أحد السياقات إن الجزائر "لا وزن لها ولا تأثير" في هذا الملف، في إشارة إلى تراجع دورها في مسار القضية.
وختم مزراري بالإشارة إلى أن التطور الأبرز تمثل في مخرجات مجلس الأمن، حيث اعتبر أن القرار رقم 2797 الصادر سنة 2025 أعاد تثبيت الجزائر كطرف رئيسي في النزاع، وأكد ضرورة التفاوض بين جميع الأطراف في إطار مبادرة الحكم الذاتي، ما يجعل الجزائر – حسب تعبيره – أمام وضع دبلوماسي معقد، في ظل محاولة البوليساريو إعادة التموضع داخل مسار تفاوضي لم تعد تتحكم فيه.
وخلص إلى أن استمرار الجزائر في التمسك بهذا النهج يضعها، وفق تعبيره، في مواجهة مباشرة مع نتائج خيار استراتيجي قديم، في وقت يواصل فيه المغرب تعزيز موقعه الدبلوماسي وتوسيع دائرة الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي، باعتبارها الحل الأكثر واقعية للنزاع.
