أخبارنا المغربية ـــ عبدالإله بوسحابة
عاد ملف الدعم العمومي الموجه لاستيراد الأغنام إلى واجهة النقاش السياسي من جديد، بعد أن باشرت فرق المعارضة بمجلس النواب مبادرة برلمانية تروم تشكيل لجنة لتقصي الحقائق بشأن هذا الملف الذي أصبح يعرف إعلامياً بـ"الفراقشية"، في خطوة أعادت إلى الواجهة الجدل حول مآلات مليارات الدراهم التي رُصدت لدعم استيراد المواشي ومدى انعكاسها الفعلي على أسعار اللحوم والقدرة الشرائية للمواطنين.
ووفق مصادر مطلعة، فقد شرعت مكونات المعارضة في جمع التوقيعات اللازمة لإيداع طلب تشكيل اللجنة لدى المؤسسة التشريعية، وذلك بعد اجتماع عقد بحر الأسبوع الماضي، ضم أحزاب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والحركة الشعبية والتقدم والاشتراكية والعدالة والتنمية، وخصص لتدارس الخطوات العملية المرتبطة بالمبادرة وآليات تنزيلها على أرض الواقع.
في سياق متصل، أوضحت المصادر ذاتها أنه جرى الاتفاق خلال هذا الاجتماع على تشكيل لجنة لتقصي الحقائق حول أوجه صرف الدعم العمومي الموجه لاستيراد الأغنام والمواشي، والوقوف عند النتائج التي أسفر عنها هذا البرنامج الذي أثار خلال الأشهر الماضية نقاشاً واسعاً داخل البرلمان وخارجه، مشيرة إلى أن المذكرة الخاصة بطلب تشكيل اللجنة أصبحت جاهزة، فيما انطلقت عملية جمع التوقيعات الضرورية من أعضاء مجلس النواب في أفق استكمال النصاب القانوني المطلوب وإحالة الطلب على الجهات المختصة داخل المؤسسة التشريعية.
وتراهن أحزاب المعارضة على أن تشكل هذه اللجنة فرصة لكشف مختلف المعطيات المرتبطة بالملف، سواء ما يتعلق بحجم الدعم العمومي الذي تم ضخه، أو عدد المستفيدين منه، أو مدى احترام شروط الاستفادة، فضلاً عن تقييم أثر هذه الإجراءات على السوق الوطنية وأسعار اللحوم الحمراء التي ظلت مرتفعة رغم مختلف التدابير الحكومية المتخذة خلال السنوات الأخيرة.
ويأتي هذا التحرك في وقت لا يزال فيه ملف دعم استيراد الأغنام يثير الكثير من علامات الاستفهام، خاصة بعد الجدل الذي رافق الأرقام المتداولة بشأن الكلفة الإجمالية للدعم وعدد المستفيدين منه، فضلاً عن الانتقادات التي رافقت ما اعتبره معارضون غياباً للشفافية الكافية في تدبير هذا البرنامج. ولذلك ترى مكونات المعارضة أن اللجوء إلى لجنة لتقصي الحقائق بات ضرورياً من أجل تجميع المعطيات الرسمية والاستماع إلى مختلف المتدخلين وترتيب المسؤوليات السياسية والإدارية عند الاقتضاء.
غير أن توقيت المبادرة يطرح بدوره أكثر من سؤال، بالنظر إلى اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026. فبينما تؤكد أحزاب المعارضة أن تحركها يندرج ضمن ممارسة دورها الرقابي الطبيعي، يرى متابعون أن إطلاق هذه المبادرة في الأسابيع الأخيرة من الولاية التشريعية يمنحها بعداً سياسياً وانتخابياً لا يمكن تجاهله، خاصة وأن الملف يحظى باهتمام واسع لدى الرأي العام لارتباطه المباشر بالقدرة الشرائية للمواطنين.
ويزداد هذا الجدل حدة عند استحضار العامل الزمني المرتبط بعمل لجان تقصي الحقائق. فحتى في حال نجاح المعارضة في استكمال النصاب القانوني المطلوب وتشكيل اللجنة خلال الأسابيع المقبلة، فإن مسطرة عملها تمتد على عدة مراحل تشمل جمع الوثائق والمعطيات والاستماع إلى المسؤولين والإدارات والفاعلين المعنيين، قبل الانتقال إلى إعداد التقرير النهائي وعرضه على البرلمان. كما أن التشريع المنظم لهذه اللجان يمنحها مهلة قد تصل إلى ستة أشهر لإنجاز مهامها، مع إمكانية تمديدها عند الاقتضاء، ما يعني أن النتائج النهائية قد لا ترى النور إلا بالتزامن مع موعد الانتخابات أو بعده.
ومن هنا، يعتبر عدد من المراقبين أن الإجابة عن سؤال الزمن قد تكون أكثر حسماً من النقاش الدائر حول مضمون الملف نفسه. فإذا تمكنت المبادرة من تجاوز مرحلة الإعلان السياسي إلى مرحلة التحقيق الفعلي وإنتاج خلاصات دقيقة حول كيفية صرف الدعم العمومي ونتائجه، فإنها ستُسجل كواحدة من أبرز المبادرات الرقابية في نهاية الولاية التشريعية الحالية. أما إذا ظلت حبيسة الإجراءات والمساطر والتجاذبات السياسية إلى ما بعد الاقتراع، فإن خصومها سيجدون في ذلك ما يعزز فرضية كونها مجرد ورقة انتخابية أُخرجت في "الدقيقة 90" من عمر الولاية البرلمانية، أكثر من كونها محاولة حقيقية لفتح أحد أكثر الملفات إثارة للجدل خلال السنوات الأخيرة.
وبين من يرى في المبادرة سعياً إلى كشف حقيقة ما جرى في ملف استنزف أموالاً عمومية مهمة، ومن يعتبرها جزءاً من معركة انتخابية بدأت مبكراً قبل أسابيع من موعد الاقتراع، يبقى الرهان الأساسي مرتبطاً بقدرة أصحاب المبادرة على تحويلها من عنوان سياسي مثير إلى مسار مؤسساتي قادر على إنتاج الحقائق وتقديم الأجوبة التي ينتظرها الرأي العام.
