بوسحابة يكتب.. هل يستحق البيجيدي فعلاً فرصة ثالثة على رأس الحكومة المغربية؟
من حق حزب العدالة والتنمية أن يطمح إلى العودة إلى الحكومة، ومن حق أنصاره أن يدافعوا عن تجربته ويقدموا قراءتهم الخاصة لمرحلة حكمه، لكن ليس من حق أحد أن يطلب من المغاربة محو ذاكرتهم السياسية. فالبيجيدي لم يكن حزباً حُرم من فرصة تدبير الشأن العام، بل قاد الحكومة لولايتين كاملتين، امتلك خلالهما الوزراء والأغلبية وقراراً سياسياً مكّنه من تنزيل اختياراته. لذلك، فإن أي حديث اليوم عن عودته ينبغي أن يبدأ من الحصيلة، لا من إعادة تدوير الشعارات أو العزف على وتر الدين والقضايا الأيديولوجية والقومية.
ومعلوم أن البيجيدي وصل إلى السلطة بخطاب جعل من محاربة الفساد والريع، والدفاع عن الطبقة المتوسطة والبسطاء، عناوين أساسية لمشروعه السياسي. غير أن الانتقال من المعارضة إلى الحكم كشف، كما يحدث دائماً، الفرق بين خطاب يرفع سقف الانتظارات وواقع دولة لها التزامات وإكراهات وحسابات مالية واجتماعية. وهنا تحديداً تبدأ الأسئلة التي لا يمكن لأي حملة انتخابية أن تلغيها.
ولعل إصلاح صندوق المقاصة يبقى أحد أبرز الأمثلة. فقد ظل عبد الإله بنكيران يدافع عن القرار باعتباره إصلاحاً أنقذ مالية الدولة ووقف استفادة جهات من دعم لم تكن تستحقه. وحتى إذا سلّمنا بأن منظومة المقاصة كانت تحتاج إلى إصلاح حقيقي، فإن السؤال الذي يهم المواطن يبقى بسيطاً: ماذا عن جيبه؟ هل تحسنت قدرته الشرائية بعد الإصلاح؟ وهل تحولت الوفورات المالية إلى حماية اجتماعية تعوّض ما تحمله المواطن من كلفة؟ أم أن الدولة خففت أعباءها بينما انتقلت فاتورة الإصلاح، بشكل أو بآخر، إلى المستهلك؟
وهنا يبرز السؤال الأكثر إحراجاً: إذا كان بنكيران قد أنقذ خزينة الدولة، فمن ينقذ جيوب المغاربة؟ فالإصلاح المالي لا يُقاس فقط بما يوفره للخزينة، وإنما أيضاً بعدالة توزيع كلفته ونتائجه. ولهذا ظل إصلاح المقاصة، رغم مبرراته المالية، محل انتقاد واسع بسبب أثره على القدرة الشرائية، خصوصاً عندما لم يشعر المواطن بأن ما تحمّله عاد إليه في شكل خدمات أو حماية اجتماعية أقوى.
والشيء نفسه يمكن اسقاطه على إصلاح التقاعد. فقد كان من الممكن الدفاع عن مبدأ الاستدامة المالية للصناديق، لكن ذلك لا يلغي السؤال الاجتماعي: من يتحمل كلفة الإصلاح؟ رفع سن التقاعد يعني سنوات إضافية من العمل وتأخير الاستفادة من المعاش، وهي كلفة كان من الطبيعي أن تثير تحفظات الموظفين، خصوصاً أن البيجيدي دخل الحكومة بخطاب قوي حول الدفاع عن الطبقة المتوسطة والعدالة الاجتماعية.
أما الشباب، فكان لهم بدورهم نصيب من المفارقة. فالبيجيدي الذي رفع شعار محاربة البطالة وتوسيع فرص الإدماج وجد نفسه أمام قرارات وإجراءات جعلت ولوج الوظيفة العمومية أكثر تعقيداً بالنسبة إلى فئات واسعة، بينما ظلت البدائل الاقتصادية القادرة على خلق فرص شغل مستقرة دون مستوى الانتظارات التي رافقت وصوله إلى الحكم. وهنا أيضاً لا تكفي النوايا أو المبررات التقنية، لأن الناخب يحاسب في النهاية على النتائج.
ثم هناك الجانب السياسي والأخلاقي من التجربة، وهو ما لا يمكن اختزاله في الأرقام. فقد تركت مرحلة بنكيران وراءها تصريحات ومواقف وسجالات حادة مع الموظفين والخصوم السياسيين، بل إن بعض تصريحاته القديمة بل وحتى الحديثة ظلت حاضرة كلما عاد النقاش حول الإصلاحات والقدرة الشرائية. والمشكلة هنا ليست في اقتطاع تصريح من سياقه أو محاكمة رجل سياسي على جملة قالها في لحظة ما، وإنما في سؤال أكبر: هل يستطيع السياسي الذي طلب من المغاربة تحمل كلفة الإصلاح أن يعود اليوم ليقدم نفسه باعتباره صوت الغاضبين من نتائج تلك الإصلاحات؟
المفارقة أن البيجيدي، من موقع المعارضة، يستطيع اليوم أن يتحدث بقوة عن الأسعار والقدرة الشرائية ومعاناة الموظفين والشباب، وأن يلتقط مظاهر الغضب الاجتماعي ويوظفها سياسياً، بينما تبدو ذاكرة تجربته الحكومية أقل حضوراً في خطابه. وهنا تحديداً تصبح المسألة جديرة بالنقاش: هل يجوز لمن كان جزءاً من المشكلة أن يتحول لاحقاً إلى مستثمر سياسي في نتائج السلطة، من دون أن يقدم كشف حساب واضحاً عن المرحلة التي كان فيها شريكاً أساسياً في صناعة تلك النتائج؟
لا أحد يطلب من البيجيدي الاعتذار عن كل قرار اتخذه، ولا إنكار الإصلاحات التي يعتبرها إنجازاً، كما لا ينبغي اختزال تجربته في الإخفاقات وحدها. لكن العودة إلى الحكومة ليست امتيازاً تاريخياً ولا حقاً مكتسباً، وإنما ثقة سياسية يمنحها الناخبون لمن يقنعهم بأنه يستحقها. ومن يريد استعادة هذه الثقة، عليه أن يجيب بوضوح: ماذا تحقق خلال ولايتي الحكم؟ من استفاد من الإصلاحات؟ من تحمل كلفتها؟ وأين أخطأ الحزب؟ وما الذي سيفعله بشكل مختلف هذه المرة؟
في السياسة، يمكن للحزب أن يغيّر قياداته وخطابه وبرامجه، لكنه لا يستطيع تغيير ذاكرة الناخبين. و البيجيدي، تحديداً، لن يعود خلال استحقاق 23 شتنبر المقبل بصفحة بيضاء، لأنه سبق أن حكم، واتخذ قرارات، ورفع شعارات، ودافع عن اختيارات، ثم انتقل إلى المعارضة.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس هل من حق البيجيدي أن يطمح إلى العودة؟ طبعاً من حقه. السؤال هو: هل أقنع المغاربة بأنه يستحق فرصة ثالثة؟ فالحزب الذي يريد العودة إلى كرسي الحكومة، بعد ولايتين كاملتين، عليه أولاً أن يكون مستعداً للجلوس أمام المغاربة على كرسي المحاسبة. وفي نهاية المطاف، وحدهم الناخبون يملكون الجواب.

أضف تعليقك
شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.