بين المواقف والحسابات.. لماذا أخرج بنكيران "البام" بعد التحاق لقجع من دائرة معاركه الانتخابية؟
تناسل خلال الساعات الماضية نقاش واسع بين نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي حول الغموض الذي يلف علاقة عبد الإله بنكيران بفوزي لقجع، غير أن جوهر المسألة، في تقديرنا، لا يتعلق بشخص لقجع بقدر ما يتعلق بما حدث لخطاب بنكيران تجاه حزب الأصالة والمعاصرة منذ التحاق الرجل بصفوفه. ف"البام" ليس حزبا يوجد خارج دائرة المسؤولية الحكومية حتى يحتاج بنكيران إلى البحث عن مبررات لمهاجمته، بل هو جزء من الأغلبية التي يقودها حزب التجمع الوطني للأحرار، وبالتالي يفترض، من منظور المعارضة، أن يكون واحدا من الأهداف الطبيعية للنقد والمساءلة بشأن الحصيلة الحكومية. غير أن اللافت هو أن بنكيران، الذي جعل من أخنوش وحزبه مادة شبه ثابتة في خطابه الانتخابي، لم يحافظ على المستوى نفسه من الهجوم تجاه "البام"، بل بدا وكأنه تراجع بالحزب تدريجيا عن مقدمة لائحة خصومه، في توقيت تزامن بشكل لافت مع دخول لقجع إلى صفوفه. وهنا تحديدا يطرح السؤال نفسه: هل غير لقجع فقط تركيبة "البام"، أم أنه غير أيضا، بشكل غير مباشر، حسابات بنكيران تجاه هذا الخصم؟
الجواب لا يحتاج بالضرورة إلى افتراض وجود علاقة شخصية بين الرجلين، ولا إلى البحث عن صفقة سياسية خلف الستار، بقدر ما يحتاج إلى قراءة السلوك السياسي نفسه. فبنكيران، بما راكمه من تجربة في إدارة الصراع الانتخابي، يعرف أن المعارضة لا تصبح اكثر إقناعا كلما اتسعت دائرة خصومها، وإنما كلما أحسنت تحديد الخصم الذي تريد أن تجعل منه عنوانا للمعركة. ومن هذه الزاوية، يبدو أخنوش بالنسبة إلى بنكيران خصما مكتمل الملامح، له معه تاريخ سياسي طويل، وسجال متراكم، ومسؤولية حكومية مباشرة يمكن من خلالها بناء خطاب هجومي واضح ومفهوم لدى الناخب. أما "البام"، فقد تغيرت معادلته بعد دخول لقجع، ليس بالضرورة من حيث موقعه الحكومي، وإنما من حيث طبيعة الشخصية التي أصبحت في واجهته، وهي شخصية لا تنتمي إلى المدرسة الحزبية التقليدية نفسها التي اعتاد بنكيران مواجهتها.
فلقجع لا يدخل السياسة محملا بأرشيف حزبي طويل من المواقف والمواجهات والخصومات، وإنما يأتي إلى المجال الحزبي برصيد صنع جزءا مهما منه خارج المؤسسات السياسية، وهو ما يجعل مهاجمته بالطريقة التقليدية أكثر تعقيدا. فكيف يمكن بناء معركة انتخابية قوية ضد شخصية لم تتشكل بعد حولها سردية حزبية متماسكة؟ وكيف يمكن إقناع الرأي العام بأن شخصا راكم جزءا كبيرا من حضوره خارج المجال الحزبي يجب أن يتحول، بمجرد دخوله إلى "البام"، إلى أحد عناوين الاستقطاب السياسي؟ والأهم من ذلك أن بنكيران يدرك على الأرجح قاعدة انتخابية بسيطة ولكنها شديدة الأهمية: ليس كل هجوم يضعف صاحبه، بل إن بعض الهجمات قد تتحول إلى أفضل حملة مجانية للخصم.
ومن هنا، فإن تحويل لقجع إلى هدف يومي في خطاب بنكيران قد يؤدي إلى نتيجة عكسية تماما. فبدل أن يبقى الرجل وافدا جديدا على المشهد الحزبي، قد يتحول بفعل الاستهداف إلى أحد أبرز عناوين المعركة الانتخابية، ويمنحه خصما من وزن بنكيران ما يحتاجه أي سياسي في بداية مساره: الحضور، والاستقطاب، والقدرة على فرض نفسه داخل النقاش العام. أما إبقاؤه بعيدا عن مركز الاشتباك، فيمنع عنه جزءا من هذه الشرعية السياسية التي يمكن أن يصنعها الصراع، ويجعل دخوله إلى "البام" يبدو أقل ارتباطا بالمواجهة مع العدالة والتنمية وأكثر ارتباطا بمساره الخاص. ولذلك قد لا يكون عدم مهاجمة لقجع ترددا أو غموضا، بقدر ما يكون قرارا محسوبا بعدم تقديم خصم مجاني لشخص يمكن أن يستفيد من هذا الصراع أكثر مما يستفيد منه بنكيران.
وهنا يبدو أن بنكيران يشتغل بمنطق مختلف عن مجرد توزيع الاتهامات على جميع مكونات الأغلبية. فهو لا يحتاج إلى مهاجمة كل من يوجد في الضفة المقابلة، وإنما يحتاج إلى تركيز نيرانه على الطرف الذي يعتقد أن استهدافه يحقق أكبر عائد انتخابي. أخنوش، في هذا الحساب، خصم جاهز سياسيا وخطابيا، بينما قد لا يكون فتح مواجهة مباشرة مع "البام" ولقجع تحديدا بنفس الجدوى. بل إن هناك بعدا آخر أكثر براغماتية، يتعلق بما بعد انتخابات 23 شتنبر، حيث ستعيد النتائج ترتيب الأحجام والمواقع والتحالفات، وقد تجد أحزاب تتبادل الاتهامات اليوم نفسها مضطرة إلى الجلوس غدا حول الطاولة نفسها. ومن هذه الزاوية، فإن عدم تحويل "البام" إلى خصم وجودي قد يكون نوعا من التحفظ السياسي، لا تعبيرا عن الود، لأن السياسة لا تترك دائما للفاعلين فيها رفاهية اختيار حلفائهم وخصومهم وفق قاموس ثابت.
بل ثمة قراءة أخرى لا تقل أهمية، مفادها أن إبقاء "البام" خارج مركز الاستهداف قد يكون أكثر فائدة من دفعه إلى التماسك حول لقجع. فكلما ارتفع منسوب الهجوم الخارجي، ارتفعت الحاجة إلى التماسك الداخلي، بينما يتيح خفض مستوى الاستهداف للحزب أن يعيش تنافساته وحساباته الداخلية بصورة طبيعية، من دون أن يحصل على خصم مشترك يوحد صفوفه ويمنح الوافد الجديد موقعا مركزيا داخل معركته. وفي السياسة، ليست كل الخصومات مفيدة، كما أن بعض المعارك قد تكون مكلفة لمجرد أنها تمنح الخصم الذي تواجهه قيمة سياسية لم يكن يملكها قبل اندلاعها.
لهذا، فإن القضية لا تبدو في حقيقتها قضية "صمت بنكيران عن لقجع"، وإنما قضية إعادة ترتيب هادئة لخريطة الخصوم. فحين يهاجم بنكيران أخنوش وحزبه، ويترك "البام" في منطقة أقل تعرضا للنيران، فهو لا يعلن بالضرورة براءة الحزب من مسؤولية الحكومة، ولا يرسل بالضرورة رسالة ود إلى لقجع، لكنه يكشف، ربما، عن تقدير سياسي يرى أن المعركة الانتخابية لا ينبغي أن تخاض على كل الجبهات في الوقت نفسه، وأن بعض الخصوم يكون من الافضل سياسيا تركهم خارج دائرة الاشتباك المباشر.
وبعبارة أكثر وضوحا، قد يكون بنكيران قد أدرك مبكرا أن تحويل لقجع إلى خصم سياسي بارز سيكون، في هذه المرحلة تحديدا، أفضل هدية يمكن تقديمها له. لذلك اختار أن يحتفظ بأخنوش باعتباره الخصم الذي يعرف كيف يهاجمه، ولماذا يهاجمه، وما الذي يريد أن ينتزعه من هذا الهجوم، بينما ترك "البام" ووافده الجديد في مساحة أقل صخبا. وفي السياسة، لا تكشف الخطب وحدها حقيقة المواقف؛ أحيانا يكون ما لا يقوله السياسي أكثر دلالة مما يقوله. فكما يختار من يضعهم في مرمى نيرانه، يختار أيضا من يقرر ألا يطلق عليهم النار. ومن هذه الزاوية، قد لا يكون السؤال الحقيقي: لماذا لا يهاجم بنكيران لقجع؟ بل: لماذا لا يريد بنكيران، حتى الآن، أن يمنح لقجع شرف أن يصبح خصمه؟

أضف تعليقك
شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.