بوسحابة يكتب: هل أخطأ المغرب حينما ارتقى بعلاقاته مع إسرائيل؟

بوسحابة يكتب: هل أخطأ المغرب حينما ارتقى بعلاقاته مع إسرائيل؟

من حق أي مغربي أن يختلف مع قرار بلاده، ومن حق أي جهة أن تنتقد خيار المغرب في علاقته مع إسرائيل، لكن ما يحدث منذ الإعلان عن الاتفاق الأخير، القاضي برفع مستوى التمثيل الدبلوماسي إلى مستوى السفارات وتعيين السفراء، تجاوز في كثير من الحالات حدود النقاش المشروع، وتحول إلى حملة تقدم المغرب وكأنه ارتكب جناية تستوجب المحاكمة. والحقيقة أن ما حدث ليس قرارا مفاجئا، بل حلقة جديدة في مسار استئناف العلاقات بين الرباط وتل أبيب سنة 2020. بيد أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل أخطأ المغرب فعلا، أم أن المشكلة لدى البعض هي أنه اتخذ قرارا سياديا لا ينسجم مع رغباتهم ومصالحهم وأجنداتهم؟

قبل توزيع صكوك الوطنية والخيانة، من حقنا أن نسأل: أين كانت هذه الغيرة على المغرب عندما ظل هذا البلد لعقود يقاوم مخططات عدة استهدفت وحدته الترابية؟ أين كان التضامن العربي والإسلامي عندما واجه المغرب دعما إقليميا ودوليا لجبهة البوليساريو، ودفع ثمنا سياسيا واقتصاديا وأمنيا كبيرا دفاعا عن أرض تعد جزءا من سيادته؟ 22 دولة في الجامعة العربية، و57 في منظمة التعاون الإسلامي، و54 في الاتحاد الإفريقي.. هل سبق أن رأينا هذه المنظومات تتحرك جماعيا للضغط على إسبانيا بشأن سبتة ومليلية؟ المقصود هنا ليس مقارنة القضيتين، وإنما كشف ازدواجية المعايير: لماذا يُطلب من المغرب دائما أن يضع مصالح الآخرين فوق مصالحه، بينما لا تظهر "الأخوة" بالوضوح نفسه عندما يتعلق الأمر بقضاياه المركزية؟

والأكثر إثارة للتساؤل أن المغرب، الذي ظل تاريخيا من أبرز الداعمين للقضية الفلسطينية، لم يجد دائما الموقف الفلسطيني نفسه تجاه قضيته الوطنية الأولى. فالتاريخ يسجل مواقف فلسطينية متباينة من قضية الصحراء، وصلت في بعض المراحل إلى صدور مواقف من شخصيات وتيارات فلسطينية اقتربت من أطروحة البوليساريو، قبل أن تصدر في المقابل مواقف فلسطينية أخرى تؤكد دعم المغرب وترفض الربط بين القضيتين. لذلك لا يتعلق الأمر بمقايضة فلسطين بالصحراء، وإنما بسؤال عن الإنصاف: لماذا يُطلب من المغرب أن يجعل فلسطين معيارا حاكما لكل خياراته الخارجية، بينما لم تكن قضية الصحراء دائما حاضرة بالوضوح نفسه في الموقف الفلسطيني؟

عكس ما سلف ذكره، تظل فلسطين قضية عادلة وحاضرة بقوة في وجدان المغاربة، لكنها بالمقابل ليست ملكا لتنظيم أو قناة أو تيار سياسي حتى تتحول إلى أداة لتوزيع صكوك الوطنية والخيانة. وإذا كان المعيار هو التضامن الإسلامي، فلماذا تُستدعى فلسطين وحدها لمحاكمة المغرب؟ ولماذا تصبح علاقة الرباط بإسرائيل خطيئة لا تغتفر، بينما أقامت دول عربية أخرى علاقات رسمية مع إسرائيل منذ عقود؟ القضية ليست في حق الآخرين في النقد، فهذا حقهم، وإنما في محاولة تحويل النقد إلى وصاية على القرار المغربي.

ثم إن هناك حقيقة يتجاهلها كثيرون: اليهود مكون أصيل من تاريخ المغرب وهويته، وليسوا غرباء عن هذه البلاد. عاشوا في المغرب قرونا طويلة، وكانت علاقتهم بالملكية المغربية ذات خصوصية تاريخية، قبل أن تهاجر أعداد كبيرة منهم إلى إسرائيل ودول أخرى. واليوم يوجد في إسرائيل مئات الآلاف من ذوي الأصول المغربية، يحملون أسماء المغرب وذاكرته وثقافته، ويعود كثير منهم إلى مدن آبائهم وأجدادهم. فكيف يمكن أن ننظر إلى مواطن إسرائيلي من أصل مغربي، ولد أبوه أو جده في فاس أو مراكش أو الصويرة أو مكناس، وكأنه لا علاقة له إطلاقا بوطن أجداده؟ بالنسبة إلى كثير منهم، العودة إلى المغرب ليست زيارة إلى أرض غريبة، بل عودة إلى جزء من الذاكرة العائلية والوطنية. والدستور المغربي نفسه أقر صراحة بالمكون العبري ضمن روافد الهوية المغربية.

ومن هنا أيضا، فإن تصوير التطبيع المغربي باعتباره استسلاما أو فقدانا للكرامة قراءة سطحية. المغرب لم يدخل هذه العلاقة من موقع دولة تبحث عن اعتراف بوجودها، وإنما دخلها وهو يعرف ماذا يريد، وما هي أوراقه، وما الذي يمكن أن يحصل عليه. وبعد استئناف العلاقات سنة 2020، جاء الاعتراف الإسرائيلي الرسمي بسيادة المغرب على الصحراء سنة 2023، قبل أن تنتقل العلاقة الآن إلى مستوى السفارات. يمكن طبعا أن يختلف المغاربة حول جدوى هذا المسار وحدوده، لكن اختزاله في عبارة "المغرب باع فلسطين" يتجاهل طبيعة العلاقات الدولية القائمة على المصالح و التفاوض والمقايضة السياسية.

والأغرب أن بعض الأصوات القادمة من خارج المغرب، من لندن واسطنبول والدوحة وغيرها، لا تكتفي بانتقاد القرار، بل تتحدث أحيانا بلهجة الوصي، وتنتقل من مهاجمة السياسة المغربية إلى استهداف الملك والمغاربة الذين يدافعون عن موقف دولتهم. هنا يجب أن تكون الرسالة واضحة: المغرب ليس محمية إيديولوجية لأحد، والمغاربة ليسوا قاصرين سياسيا ينتظرون التعليمات من خارج الحدود. من حق أي شخص أن يعارض التطبيع، لكن ليس من حقه أن يقرر للمغرب ما يجوز له وما لا يجوز، أو أن يحول الخلاف السياسي إلى تخوين وإهانة.

وفي الداخل أيضا، من المهم التمييز بين المعارض الوطني الذي يطرح أسئلة مشروعة، وبين من يحول كل أزمة إلى فرصة للنيل من الدولة ومؤسساتها. هناك فئة عريضة من المغاربة، وإن اختلفت في التفاصيل، تساند حق بلادها في اتخاذ قراراتها السيادية، وتدرك أن السياسة الخارجية لا تبنى بالشعارات وحدها. وفي المقابل، هناك من يصفهم البعض بـ"تجار الأزمات"، ممن يستثمرون في كل قرار وكل أزمة لتصفية حسابات سياسية مع الدولة ومؤسساتها.

لذلك، فالسؤال الحقيقي ليس: هل أخطأ المغرب لأنه ارتقى بعلاقته مع إسرائيل؟ بل: هل استطاع أن يدير هذه العلاقة بما يخدم مصالحه، ويحافظ في الوقت نفسه على استقلالية قراره ومواقفه؟ يمكن الاختلاف في الإجابة، وهذا طبيعي. لكن ما ليس طبيعيا هو أن يصبح الدفاع عن فلسطين مرادفا لمعاداة المغرب، أو أن يصبح انتقاد إسرائيل مبررا لمصادرة القرار المغربي. المغرب يستطيع أن يدافع عن حقوق الفلسطينيين، وأن يحافظ على علاقاته العربية والإفريقية والإسلامية، وأن يدير في الوقت نفسه علاقته بإسرائيل وفق مصالحه الوطنية.

فالمغرب لم يفقد سيادته لأنه تفاوض، ولم يتخل عن هويته لأنه فتح سفارة، ولم يصبح تابعا لأحد لأنه اختار تطوير علاقة مع دولة أخرى. قد يصيب وقد يخطئ، لكن القرار في النهاية قرار مغربي، والحساب يجب أن يكون مع النتائج والمصالح، لا مع صراخ القنوات ولا مع وصاية التنظيمات ولا مع مزايدات تجار الأزمات.

وفي السياسة، ليست العبرة بمن يصرخ أكثر، وإنما بمن يعرف أين يقف، وماذا يريد، وما الذي يستطيع أن يحصل عليه. والمغرب اختار أن يفاوض من موقع مصالحه، لا من موقع التبعية.


التعليقات

10

آراء القراء مرتبة من الأحدث إلى الأقدم

عبدالله

لا ام يخطيء

تعليق 1

المغرب لم يخطيء بل فعل عين الصواب

المغرب يقرر.. ولا وصاية عليه

Hassan

تعليق 2

المغرب دولة ذات سيادة، وقراراته الخارجية تُبنى على مصالحه الوطنية، لا على إملاءات الخارج ولا على مزايدات الشعارات. من حق أي شخص أن يعارض التطبيع، لكن ليس من حقه أن ينصب نفسه وصيا على المغرب أو يوزع صكوك الوطنية والخيانة على المغاربة. المغرب يعرف مصلحة بلاده، ويدير علاقاته بمنطق المصالح ، وفي الوقت نفسه لم يتخل عن موقفه المعلن من القضية الفلسطينية. ومن يختلف مع السياسة المغربية فليقدم حججا ونقاشا محترماً، أما التخوين والإهانة والتدخل في القرار السيادي المغربي فمرفوض تماماً. المغرب أولا، وقراره سيادي، ولا وصاية عليه من أحد.

-3

عاشت المملكة المغربية

سبتة الكويرة

تعليق 3

هنيئا بسفارة إسرائيل الرسمية في الرباط و هنيئاً لسفارة المملكة الرسمية بتل أبيب

-2

سؤال المغاربة

عبدو

تعليق 4

كيف نطبع مع دولة محتلة تقتل الاطفال نهارا جهارا أمام رفض أغلب دول العالم لسياسة اسرائيل؟ وكيف نتوقع الدعم منهم وتصريحات ممثلتهم في اسبانيا تعاكس مصالح المغرب تذكروا استفزاز رئيس وزرائهم عبر خريطة المغرب للاسف يتضح جليا بان المغرب أخطأ فعلا كفانا اخطاء

علاقه غير شرعية

rahmani noureddine

تعليق 5

المشكل ليس في تطوير العلاقة مع إسرائيل الصهيونية حتى فتح السفارة و تبادل السفراء، المشكل هو أن المغرب سيستقبل في بلاده مجرمين إرهابيين، فإن كان هناك يهود مغاربة قد يكون كذلك مغاربة فلسطينيين أو فلسطينيين مغاربة قتلهم الكيان الصهيوني، فمن الواجب الامني و القانوني، القبض على كل واحد منهم شارك من قريب أو بعيد في قتل شخص ما. كما أن هناك فرق شاسع بين اليهود المعتدلين و اليهود الصهاينة الذين يكرهون العرب جميعا مغاربة كانوا ام لا.

تحليل منطقي

بنعاشير

تعليق 6

أرى إن الكاتب كان موفقا في تحليله مند متى كانت الدول العربيه و الاسلامية حليفة لنا في قضاينا السيادية مند حقبة الاندلس تركونا لوحدنا في مواجهة الصلبيين من بعدها مشكل الصحراء وسبتةومليلية

جهر برأي اخر

Ahmad Rahmoune

تعليق 7

مقال يستحق القراءة اكثر من مرة، ويعكس وعيا متزايدا لدى شريحة واسعة من المغاربة للتمييز بين الأنا والآخر، بين النصيحة والوصاية،بين حق السيادة وحقوق الإنسان وفلسطين وكل قضايا العالم، بين من يساهم في تعزيز مصلحة الوطن ومن يروج لأصناف من الحقوق جلها تسطبتن المكر والباطل

رسالة مشفرة للجربوع

متابع

تعليق 8

نحن الكوفيون والمتأسلمون واليساريون والعدميون والظلاميون . لن نستطيع ان نغير شيئا في الكون . ولا يمكننا ان نؤثر في اي قرار من قرارات الدولة المغربية . ولكن نريد لبلدنا ان يبقى في مؤخرة الجموع. يتكالب عليه الاعداء . ويعيش الشعب المغربي في زمن الظلمات . هذا هدفنا وفقط. ولهذا نصرخ وننبح . وننفذ اجندة الخبث ممن يغدقون علينا ببعض الفتات . أليس من حقنا يامغاربة ان نتسول ونشحت ونرتمي في حضن كل من يعادي المغرب؟ هذا ما نحن عليه . فالطبع يغلب التطبع . والضبع لن يصبح يوما سبع . والعميل والخائن سيبقى جربوع . وسيمضي المغرب في طريقه ولن يقبل الخضوع . او الرجوع . وستظلون مجرد ظاهرة صوتية آخرها الندم والدموع .

لاتعليق

مجرد راي لاغير

تعليق 9

مصلحة الوطن فوق الجميع تملأها الظروف .في الوقت الحالي في عهد ترامب يجب استغلال الفرص لاسترجاع الصحراء الشرقية والمدن والجزر المغربية المحتلة من طرف اسبانيا خاصة وان المغرب يجاور اعداءا لاثقة فيهم ويتسمون بالغدر والمكر في اية لحظة .

الرأي والرأي الآخر

العقل نور

تعليق 10

مقال يستحق القراءة والتقدير، خصوصاً أنه ناقش الموضوع بهدوء وطرح مجموعة من الأسئلة والنقط اللي تستاهل فعلاً النقاش بعيداً عن التخوين والمزايدات والشعارات الجاهزة. سواء اتفقنا أو اختلفنا مع بعض ما جاء فيه، الجميل هو فتح باب النقاش بعقلانية واحترام اختلاف الآراء. تحية لصاحب المقال على الطرح الواضح والمجهود المبذول.

أضف تعليقك

شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.

النشر بعد المراجعة
من 30 إلى 1000 حرف — لا تُقبل الروابط أو أكواد HTML. 0 / 1000
ضوابط النشر

التعليقات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع. يُمنع التجريح أو الإساءة للأشخاص والمقدسات، وقد يُحذف المحتوى المخالف.