بوسحابة يكتب: بين احتجاجات باريس والرباط.. أحداث الفوضى والتخريب تفضح "نفاق" الإعلام الفرنسي

بوسحابة يكتب: بين احتجاجات باريس والرباط.. أحداث الفوضى والتخريب تفضح "نفاق" الإعلام الفرنسي

كما هو معلوم، تعيش فرنسا منذ أيام على وقع احتجاجات ومشاهد من العنف والتخريب، واكبتها تغطية إعلامية واسعة كشفت عن تناقضات صارخة في طريقة تقديم الأحداث للرأي العام. وهنا نستحضر بقوة الطريقة التي تعاملت بها جل المنابر الإعلامية الفرنسية مع احتجاجات "جيل زد" التي شهدها المغرب قبل أشهر، حين جرى التركيز على مظاهر الاحتقان والغضب الشعبي، وتصدير مشاهد الفوضى باعتبارها مدخلاً لتشريح الواقع المغربي ورسم صورة قاتمة عن المملكة.

 لكن حين انتقلت عدسات الكاميرات إلى الشوارع الفرنسية، بدا أن القاموس قد تغير رأسا على عقب، وأن اللغة التي استُعملت في وصف الأحداث المغربية ليست بالضرورة اللغة نفسها التي تُستعمل اليوم لوصف الاضطرابات داخل فرنسا. وهنا لا يتعلق الأمر بمجرد اختلاف في أسلوب التحرير، بل بسؤال أعمق عن المعايير التي تحكم الصحافة حين تنتقل من مراقبة الآخرين إلى تغطية أزماتها الداخلية.

المفارقة أن حجم الفوضى والتخريب في فرنسا، لا يبلغ حتى خُمس ما شهدته احتجاجات "جيل زد" بالمغرب، ومع ذلك لا يبدو أن الخطابات الإعلامية تتعامل مع المشهدين بالحدة نفسها أو بالمنطق التفسيري ذاته. فإذا كانت الاحتجاجات المغربية قد تحولت إلى مادة دسمة لتسليط الضوء على الاختلالات وتضخيم دلالات الأزمة، فلماذا لا تُقرأ الأحداث الفرنسية بالمنظار نفسه؟ وإذا كان السياق الاجتماعي يُستحضر لتفسير الغضب في المغرب، فلماذا تتقدم مفردات الشغب وتهديد النظام العام حين يتعلق الأمر بفرنسا؟ إن المقارنة هنا لا تقوم على إنكار اختلاف ظروف الاحتجاجات، بل على مساءلة الطريقة التي تُوظَّف بها هذه الاختلافات في بناء الرواية الإعلامية.

المشكلة أن هذه التغطيات لا تكتفي بنقل الحدث، بل تصنع له إطاراً تفسيرياً يوجه القارئ نحو استنتاج محدد. فاختيار عنوان دون آخر، وتكرار مشاهد بعينها، وتقديم بعض التفاصيل على حساب أخرى، كلها عناصر تؤثر في الصورة النهائية التي تتكون لدى الجمهور. وعندما تتحول احتجاجات المغرب إلى نافذة لتكريس الانطباع بأن البلاد غارقة في الأزمات، بينما تُقدَّم اضطرابات فرنسا من زاوية حماية المؤسسات واستعادة الأمن، يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كانت المعايير التحريرية ثابتة بالفعل، أم أنها تتأثر بهوية البلد الذي يجري الحديث عنه. فالفرق بين الصحافة التي تنتقد والصحافة التي تُسيء التأطير هو أن الأولى تضع الوقائع أمام القارئ، بينما قد تدفعه الثانية، عبر الانتقاء والتكرار، إلى رؤية الوقائع من زاوية واحدة.

ولنكن واضحين: ليس مطلوباً من الإعلام الفرنسي أن يجامل المغرب، أو أن يتغاضى عن اختلالاته، أو أن يمنح الاحتجاجات صك براءة لمجرد أنها ترفع مطالب اجتماعية. كما لا يجوز اختزال الاضطرابات الفرنسية في مشاهد التخريب وحدها. المطلوب هو تطبيق المعيار نفسه على الحالتين: الاحتجاج حق، والتخريب فعل يستوجب المساءلة، والسياق الاجتماعي ضروري للفهم، لكنه ليس مبرراً تلقائياً للاعتداء على الأشخاص والممتلكات. أما أن يصبح السياق مدخلاً لتفسير الأحداث في بلد، ثم تتراجع أهميته لصالح خطاب أمني صارم في بلد آخر، فذلك تناقض لا يمكن حسمه بالشعارات، بل بمقارنة التغطيات الفعلية وعناوينها ومفرداتها وما تختاره لإبرازه أو تجاهله.

المغرب لا يحتاج إلى إعلام يلمّع صورته، بل إلى إعلام يتعامل معه بإنصاف، ولا يحتاج الإعلام الفرنسي إلى من يمنعه من النقد، بل إلى من يذكّره بأن النقد يفقد جزءاً من مشروعيته حين يبدو انتقائياً. فمن حق الصحافة أن تحاسب المغرب، لكن من حق المغاربة أيضاً أن يسائلوا الصحافة التي تحاسبهم: بأي معيار تكتبون عنا، وبأي معيار تكتبون عن أنفسكم؟ إن المصداقية لا تُقاس بصرامة اللغة حين يتعلق الأمر بالآخر، بل بقدرة المؤسسة الإعلامية على الالتزام بالمبادئ ذاتها حين تصبح الوقائع داخل بيتها. فإذا كان الإعلام الفرنسي يريد أن يكون مرجعاً في قراءة أزمات الآخرين، فعليه أن يقبل أولاً بأن يصبح خطابه نفسه موضوعاً للفحص والمساءلة، لأن الصحافة التي تغيّر ميزانها بتغيّر الجغرافيا لا تكتفي بوصف الأحداث، بل تخاطر بصناعة صورتين مختلفتين لواقع مشابه.


أضف تعليقك

شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.

النشر بعد المراجعة
من 30 إلى 1000 حرف — لا تُقبل الروابط أو أكواد HTML. 0 / 1000
ضوابط النشر

التعليقات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع. يُمنع التجريح أو الإساءة للأشخاص والمقدسات، وقد يُحذف المحتوى المخالف.