لو كانت غزة تعرفكم.. لتبرأت منكم

لو كانت غزة تعرفكم.. لتبرأت منكم

لم تعد القضية الفلسطينية في بعض المنصات تعبيراً عن تضامن إنساني نبيل، بل انحرفت عند فئة من الناس لتتحول إلى سلعة رخيصة للمتاجرة، وورقة سهلة لادعاء البطولة، وقناع يخفي انعداماً خطيراً للانتماء الوطني.

نحن هنا لا نناقش التضامن الصادق. ذلك الإحساس النبيل الذي يجعل المغربي يتألم لمعاناة المظلومين هو من صميم قيمنا، ومن شيم المغاربة الذين عُرفوا عبر التاريخ بنصرة الحق. ما نناقشه اليوم هو ظاهرة "مناضلي الكيبورد" و"تجار الكوفية".

كيف يستقيم أن يكون الشخص بلا غيرة على وطنه، لا يحترم مؤسساته، يسخر من ثوابته، يعجز عن تنظيف حيه أو مساعدة فقير بجانبه، ثم يصدّع رؤوسنا ليل نهار بمزايدات حول تحرير غزة؟

إنها مفارقة فاضحة تكشف خللاً عميقاً في مفهوم الانتماء. الانتماء لا يتجزأ. ومن لا خير فيه لأهله ولوطنه، لا يُنتظر منه خير لغيره. الوطنية ليست قميصاً موسمياً نرتديه في المناسبات، والغيرة ليست انتقائية حسب المزاج.

لقد تحولت الكوفية عند البعض إلى مجرد إكسسوار لإضفاء مظهر "الثوري"، ووسيلة لحصد الإعجابات، وغطاء أخلاقي لإخفاء العجز والفشل عن تقديم أي شيء نافع لهذا الوطن أولاً.

ولو كانت غزة تعرفكم لتبرأت منكم. فأهل غزة أنفسهم، وهم تحت القصف والحصار، لا يحتاجون لشعارات جوفاء ولا لمزايدين يشتمون المغرب والمغاربة باسمهم. أهل غزة يريدون رجلاً حراً، قوياً بوطنه، ثابتاً في مواقفه. فالقوي بوطنه هو وحده القادر على نصرتك، أما المنبطح الذي يجلد وطنه صباح مساء فلا ينفع نفسه ولا ينفع قضيتك. غزة تحتاج لأحرار يبنون أوطانهم، لا لمرتزقة يهدمون أوطانهم باسمها.

للمغرب أولوياته وقضاياه المقدسة. لنا وطن يواجه تحديات التنمية والبطالة والفقر، ولنا قضية وجودية مصيرية هي الصحراء المغربية، التي تحتاج منا نفس الحماس والتعبئة التي نراها في قضايا عابرة للقارات. حب الوطن يبدأ من احترام القانون، ومن العمل الجاد، ومن التضامن مع ابن بلدك، قبل أن يصل إلى حدود غزة.

نحن مع التضامن الصادق البعيد عن الشعبوية والمزايدة. لكننا ضد تحويل معاناة شعب إلى منصة لتصفية الحسابات مع الوطن، وضد أن يصبح الدفاع عن فلسطين ذريعة لاحتقار كل ما هو مغربي.

القضية الفلسطينية ستبقى قضية عادلة في وجدان المغاربة، لكنها لن تكون أبداً مبرراً لانعدام الوطنية. ومن أراد تحرير أرض بعيدة، فليبدأ بتحرير عقله من عقدة احتقار وطنه، وليبدأ ببناء بيته الداخلي أولاً.

 

فالأوطان لا تبنى بالشعارات المستوردة، بل بسواعد أبنائها الأوفياء.


أضف تعليقك

شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.

النشر بعد المراجعة
من 30 إلى 1000 حرف — لا تُقبل الروابط أو أكواد HTML. 0 / 1000
ضوابط النشر

التعليقات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع. يُمنع التجريح أو الإساءة للأشخاص والمقدسات، وقد يُحذف المحتوى المخالف.