كشف المستور في مشروع الدستور

كشف المستور في مشروع الدستور

 

أخبارنا المغربية

 ذ. عبد الرزاق النقاشي

يأتي مشروع دستور 2011 في ظرفية سياسية خاصة يعيشها المغرب و في سياق غير منفصل عن جو الثورات العربية وموجات الاحتجاج من المحيط إلى الخليج، خلافا لما يروّج له البعض عن الاستثناء المغربي في كل شيء. وعلى الصعيد الوطني، وكما هو معلوم، نادت حركة 20 فبراير بالملكية البرلمانية كشكل للنظام السياسي المقبل، إلا أن مشروع الدستور جاء مخيبا لآمالها و رأت بالتالي الحل في استمرار الاحتجاجات إلى أن يتحقق مطلبها السياسي. وتَـوَخيا للموضوعية فقد جاء مشروع الدستور بنقاط إيجابية تُحسب له كما أنه كرس مجموعة من سلبيات دستور 1996. وبقي المُشرّع المغربي بذلك وفيا لنهج الجرعات المضبوطة باعتبار أن أي جرعة ديمقراطية زائدة يأخذها المواطن قد تؤدي في نظر المُشرّع إلى ما لا يحمد عقباه، و ربما يدخل المواطن المغربي هنا أيضا في باب الاستثناءات الذي يبقى دائما مفتوحا في بلدنا العزيز.

وتًسجيلنا هنا لبعض الإيجابيات التي سنتطرق إليها في مشروع الدستور الجديد ، لا يمنع من الإشارة ولو بعجالة لخروج مجموعات من المواطنين، وهذا حقهم، بعد الخطاب الملكي ل 17 يونيو في نفس الوقت و في عدة مدن مغربية بالطبل والبندير احتفالا بالقادم الجديد « مشروع دستور 2011 » في منظر يوحي بما يشبه « العرس » أو « الختانة » ولسان حالهم يقول: « طلع الدستور علينا ... ما دعا لله داع ... أيها الممنوح لينا ... جئت بالأمر المطاع ... »، حتى أن قارئ مشروع الدستور يُخيّل إليه أنه ربما لم يفهمه جيدا رغم قراءته عدة مرات. وإنه لأمر عجيب واستثنائي لم يسبق أن حدث في أي بلد، فعادة ما يتبع صدور أي مشروع دستور في أي مكان من العالم خروج النخب السياسية لمناقشته و دراسته على وسائل الإعلام المختلفة في جو من السجال والحركية السياسية الإيجابية، فالكمال لله و « حتا زين ما خطاتو لولة »، و باعتباره أولا و أخيرا نتاجا بشريا وليس قرآنا منزّلا. لقد اختلط على المواطن المغربي المسكين هنا الطبل والبندير وتصفيقات الأحزاب و الهيئات النقابية و السياسية و الزوايا الدينية، وهو لا يكاد يفقه أو يفهم شيئا، فزادوا على الفئة الأمية العريضة من المغاربة جهلا على جهل. فهل نحن بحاجة في هذا الوقت إلى التطبيل و التزمير؟؟ أم نحن بحاجة لمن يشرح ويحلل فصول مشروع الدستور؟؟ فما هذا الاستثناء المغربي الجديد!!! ؟؟

لم تطلب الأحزاب و الهيئات السياسية أي تغيير أو تعديل في دستور 1996 وكانت راضية مرضية بما قسم الله لها من الأرزاق السياسية و ما يترتب عنها من أرزاق أخرى، و بالتالي كانت تقول في قرارة نفسها: « لي جابْ الله تبارك الله »، وينطبق هذا على أحزاب الموالاة والمعارضة والقضية هنا سِيان عندما يتعلق الأمر بمشروع الدستور، فأصبحت التكتلات الحزبية مجرد شكليات ليس إلا، إلى درجة أن تصفيقات المعارضة كانت أكثر قوة من تصفيقات الأحزاب الحكومية، حتى أن أحد أمنائها العامين خرج علينا ليقول إن التعديلات الدستورية جاءت بأكثر من مطالب الشارع المغربي، فجاءت الهرطقة و الدجل السياسي عوض وضع الأمور في نصابها وإعطائها حجمها الحقيقي. فما هذا الاستثناء المغربي الجديد!!؟؟

وبعيدا عن التطبيل والتزمير و التملّق المُنبطح، وبمقارنة مشروع الدستور الجديد بدستور 1996، لا نكاد نجد فرقا كبيرا يستحق الإشارة إليه في هذا المقام، عدا نقطة واحدة نراها إيجابية و تتعلق بمسألة الهوية واعتبار الأمازيغية لغة رسمية في الفصل الخامس من مشروع الدستور، إذ نرى أن دسترتها جاءت استجابة لمطالب عموم المواطنين وليس فقط لمطالب المغاربة الأمازيغ، رغم أنني لا أحبذ توصيف المغاربة بالأمازيغ أو العرب أو ... فالمغربي واحد بصرف النظر عن هويته الإثنية أو العرقية. إن الثقافة الأمازيغية ليست فقط رافدا من روافد الثقافة المغربية وإنما مكونا رئيسيا لها. و لا تكتمل الهوية الوطنية إلا بإعطاء كل مكوناتها حقها الدستوري في الاعتراف و التثمين.

أما بخصوص تسمية رئيس الحكومة عوض الوزير الأول، فالأكيد أن الإشكال لم يكن يوما في تسميته بقدر ما كان قضية مساءلة حقيقية للحكومة في مدى تطبيق برنامجها الحكومي الذي يمثل المعيار الحقيقي لتقييم عملها ومدى الجدية في تحمل المسؤولية. « الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها. ويعين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها وللملك بمبادرة منه، بعد استشارة رئيس الحكومة، أن يعفي عضوا أو أكثر من أعضاء الحكومة من مهامهم » ( الفصل 47 من مشروع الدستور )، في الوقت الذي كنا ننتظر على الأقل أن يُعيَّن رئيس الحكومة من أكبر ائتلاف حزبي لفتح آفاق الدينامية السياسية في بلادنا بشكل أكبر. كان على المُشرّع أن يستغل الإجماع على المَلكية في المغرب ليخرج بقرارات أكثر جرأة و انفتاحا، وليقطع الطريق على كل من يحاول خلق الفتنة والركوب على مشاكل المواطن اليومية، في ظرفية سياسية سانحة.

قرأنا في إحدى المقالات أن كوْن مشروع الدستور الجديد يتضمن 180 فصلا عوض 108 فصول في دستور 1996، جعل الكاتب يستنتج أنه استجاب لمطالب شريحة واسعة من المغاربة وبالتالي سصبح الدستور أكثر ديمقراطية، وكأن العبرة بعدد الفصول و كثرتها لا بما تحتويه. ونشير هنا إلى أن الدستور الفرنسي لسنة 1958 وحتى مع تعديلاته الأخيرة لا يشتمل إلا على 89 فصلا فقط، في حين يتكون دستور نيجيريا لسنة 1999 من 320 فصلا. فهل نيجيريا أكثر ديمقراطية من فرنسا ؟؟!! وفي مقال فصيح آخر قيل "إن المغرب سيصبح أول ملكية دستورية في العالم العربي"، في الوقت الذي كنا نسمع حتى في ظل دستور 1996 أننا نَنْعم بملكية دستورية، حيث أشار منذ خمسة عشر سنة في فصله الأول أن « نظام الحكم بالمغرب نظام ملكية دستورية، ديمقراطية واجتماعية ». فهل سندخل مرحلة الملكية الدستورية الثانية بعد الأولى؟؟ وهل الملكية الدستورية مراحل و درجات؟؟ لقد درجت مجموعة من الكتابات الصحافية على الترويج لهذا الطرح والحقيقة أن من يقول هذا الكلام، إما أنه يستغبي هذا الشعب أو أنه لا يفرق بين القانون ( الآلة الموسيقية ) والقانون ( الذي يُدرّس في كلية الحقوق )، فصار يعزف أنغاما غريبة و نغمات نشاز، فيُضلّ من يُضلّ ويُفتي في القانون بما لا يعلم، و بالتالي عليه وزْر من اتبعه إلى يوم الدين.

إن الواقع السياسي للمغرب لا يمنع من القول إننا في درجة متدنية من أشكال الديمقراطيات المتحضّرة وحكم الشعب نفسه بنفسه. إضافة إلى كون مشروع الدستور المغربي سيظل ممنوحا ومن أكثر الدساتير جمودا في العالم من حيث آليات تغييره وإلغائه، ما دام أي تعديل للدستور يمر بآليات معقدة و لا يتم إلا بموجب ظهير ملكي قبل استفتاء الشعب عليه كما ورد في الفصل 174 من مشروع الدستور الجديد. ولا يمكن في هذا المقال إلا أن نعطي مشروع الدستور حقه ولا شيء أكثر، إذ لا يمكن القول أنه جاء كالمعجزة السياسية التي تًنزّلت على المغرب أو كعصا موسى لِيحُلّ الإشكالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتجذرة في جسد هذا الوطن. وفي حال الاستفتاء الإيجابي على مشروع الدستور، فإن ضمان الحد الأدنى لنجاح هذه التجربة الدستورية على هزالتها رهين بتضافر جهود كل الفاعلين السياسيين مع النية الصريحة في الإصلاح والبناء.

لم تكن المشكلة المغربية يوما قضية قوانين و مؤسسات، بقدر ما كانت على الدوام مشكلة تطبيق القوانين وتفعيل المؤسسات، كمأسسة حقوق الإنسان والمواطنة و الحريات العامة و التي تحتاج إلى تجسيد فعلي و حقيقي لترجمة روح القانون إلى واقع ملحوظ، حيث لا يُسجن أمثال رشيد نيني الصحفي ولا يُضرب أمثال علي سباه الأستاذ. كما يجب تفعيل دور البرلمان في التمثيل الفعلي للمواطن في نقل همومه و مشاكله و تحسين الأداء الحكومي من خلال السعي إلى حل مشاكل المواطن بشكل إجرائي و ملموس ينعكس على حياته الواقعية إيجابا. إن المواطن البسيط، و لو أنه لا يفهم فصول الدستور، إلا أنه يريد حياة أفضل و مستقبلا أكثر أمانا له و لأبنائه.

[email protected]


التعليقات

12

آراء القراء مرتبة من الأحدث إلى الأقدم

marocaine

تعليق 1

lmohim ma9alak 3iyan bezaf ma9aditch nkamlo 7it wada7a lfikra dialo wodo7 chams fe nhar jmil l7aja li radi ngolik 7na radi ngolo na3am lidostor iwa sirr l3ab fe jiha tania

عبد الحق

تعليق 2

أشكرك أيها الكاتب على كلام الحق الذي قلت ولا تتعجب إن هاجمك المنبطحون. وكرد على صاحب التعليق 1، قل نعم أو لا. هداك شغلك. أما أنا ماغاديش نصوت و خلينا ليك الصندوق ربح بيه. ناقشوا الأفكار بلا تعصب. هذه أفصح جملة قرأتها حول الدستور: \"باعتباره أولا و أخيرا نتاجا بشريا وليس قرآنا منزّلا\" شكرا أخي

motatabi3

تعليق 3

Wach besah mnin haynja7 dostour satatimo mo7asabat jami3 chefara li ba3o lblad o harbo flousom nswisra , jawbouni 3afakom bach nsawet b oui n dostour ida kan hayt7asbo m3a chefara

سعيد

تعليق 4

لم يقل لك أحد صوت بنعم أو لا. ولم يسألك أحد بماذا ستصوت؟ المقال ناقش الدستور الجديد وانت كنت اول من علق رغم انك لم تكمل القراءة . يا سبحان الله .... سير صوت ب 10 نعمات الا ما قداتك واحدة ..شكون سولك ا صاحبي سير مارس حريتك

سوس

تعليق 5

ما دام دستور المغرب لم يتضمن تقسيم السلط بين العرب والامازيغ كما هو الحال في لبنان بين المسيحيين والمسلمين فان الظلم لاهل الدار لازال سيد الموقف.

bref

تعليق 6

Le peuple aspire plus à la prospérité et aux actes effectifs qu\'à une constitution .L\'altruisme reste la seule panacée efficace contre l\'injustice qui blesse à la dignité humaine,et traduisons ,aux actes réels ,ces débats politiques verbals tant solennels et infructueux.

مغربي

تعليق 7

وا يا رقم 9 را الامازيغ مغاربة ومسلمين، كيف خطرلك في بالك حتى تفكر هكذا تقارن المغرب بلبنان، فالامازيغية لهجهة وتحترم كل الاحترام اما المسيجية فهي ديانة ولا فرق بين الامازيغي و العربي في وطنه وعمرنا ما حسين بهذا الفرق دائما اخوة وسوف نظل اخوة

kamal

تعليق 8

hadi ma7ata tarikhiya la tofawitha lmalakiya bilmaghrib litotbit liljami3 anaha lan tosalima 9iladat l7okom lisha3b arha9atho 9oyoud l9am3 wa tarhib. min sha3b man yo7ibo lalakiya bisouratiha l7alya hada amr lan anfiyaho lakini a3lamo anna arlab man yonasoirouna ha yaf3alouna dalika an khawf wa 3an khishya min halakihim wa 3a2ilatihim. dsotour lmalik la yolzimoni wa la yamoto bisila lwa9i3i ana shakhsiyan wa hada ra2yi ana. la o7awilo ta2tir 3ala a7ad fa9at lya3lama lkatir anaho amsa mina lmomkin 9awl la lidictatouriyat lmalik. la ya mo7amed 6 lan a7tarima dostourak wa lan osharika fi istifta2 mozawar wa lan atawa9af 3an motalabati bi7a9i sha3bi fi ikhtiyar 7okamih.

عبد الرحمان

تعليق 9

لم يتعرض أحد لا للعربية و لا للاسلام وصاحب المقال لم يتحدث عما تقول إطلاقا. اتق الله. واش كاتقرا بالمقلوب. غير لي ما غيط و طبل للدستور ماشي مواطن. الكل هنا يتحدث عن الدستور. ربما يبدو لك الدستور قرآنا يا أخي أستغفر الله.

rbati

تعليق 10

الى مول التعليق :13\"الرأي للأغلبية و إن كانت خاطئة\". عارف راسك أغلبية و عارف راسك مع أغلبية خاطئة. باز أصاحبي وجهكم قاصح. سبحان الله فيكم. إلى مول المقال: برافووووو مقال زوين وواقعي

مواطن مقهور

تعليق 11

دستور 1996 هو نفسه يتكرر باسم دستور 2011 في طبعة جديدة ومنقحة. ويقول بعض المعلقين ان 20 فبراير خونة و .... أنتم هم الخونة . حتى من يقول كلمة الحق في هذه البلاد تخرجون عليه بسكاكينكم. ألا لعنة الله على الظالمين.ساقول من الان لا للضحك علينا. لا لدستور يكرس الفساد والاستبداد

جمال الشطورى

تعليق 12

اصحاب المخابز ارحمونا منهم علشان 5رغفان ممكن حياتى تروح الفران بهدلة الحقونا

أضف تعليقك

شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.

النشر بعد المراجعة
من 30 إلى 1000 حرف — لا تُقبل الروابط أو أكواد HTML. 0 / 1000
ضوابط النشر

التعليقات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع. يُمنع التجريح أو الإساءة للأشخاص والمقدسات، وقد يُحذف المحتوى المخالف.