أخبارنا المغربية - وكالات
خلق الله سبحانه وتعالى البشر مختلفين في طبائعهم، وطرائق تفكيرهم، ووجوه فهمهم للأمور، فجعل التباين في الرأي والفهم سنةً كونية تعكس جمال التنوع الإنساني، ولم يكن هذا الاختلاف نقصًا أو عيبًا، بل هو صورة من صور التكامل التي تقوم عليها الحياة. ومن هنا جاءت الشريعة الإسلامية معترفة بهذه الحقيقة، فأقرت الاختلاف في المسائل الاجتهادية، ووسعت دائرة الاجتهاد بما يراعي اختلاف البيئات والأزمان والأحوال.
ويتجلى هذا المعنى في تعدد القراءات القرآنية، كما يظهر بوضوح في فهم الصحابة رضي الله عنهم لأوامر النبي صلى الله عليه وسلم. ومن أشهر الأمثلة على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم يوم غزوة بني قريظة: «لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة» (رواه البخاري). فقد فهم فريق من الصحابة أن المقصود هو الإسراع في المسير، فصلوا العصر في وقتها قبل الوصول، بينما أخذ فريق آخر بظاهر النص، فأخروا الصلاة حتى بلغوا بني قريظة. ولم يعنف النبي صلى الله عليه وسلم أحدًا من الفريقين، لأن كليهما اجتهد في فهم النص، فكان اختلافهم اختلافًا مشروعًا قائمًا على حسن القصد والاجتهاد، لا على التعصب أو الهوى.
ومن هذا المنطلق نشأت المذاهب الفقهية الإسلامية، التي استندت جميعها إلى القرآن الكريم والسنة النبوية، غير أن الاختلاف وقع في فهم النصوص، والجمع بينها، وترجيح بعضها على بعض وفق قواعد الاجتهاد والأصول. وقد كان هذا التنوع سببًا في ثراء الفقه الإسلامي ومرونته وقدرته على مواكبة متغيرات الحياة.
غير أن واقعنا المعاصر يشهد بروز ظاهرة مقلقة تتمثل في التعصب للرأي الواحد، وإقصاء الرأي الآخر، حتى في المسائل التي يسوغ فيها الخلاف. وأصبح بعض الناس يتعامل مع اجتهاده على أنه الحقيقة المطلقة، ويرى أن كل مخالف له على ضلال، وهو ما فتح الباب أمام مظاهر الغلو والتطرف الفكري.
ومن المؤسف أن يصل الأمر ببعضهم إلى الانتقاص من كبار أئمة الإسلام، كالإمام أبي حنيفة، بل وتجاوز ذلك إلى الطعن في علماء كبار مثل النووي، وابن حجر العسقلاني، والسيوطي وغيرهم من أعلام الأمة الذين أفنوا أعمارهم في خدمة الدين. وهؤلاء لم يدركوا أن الاختلاف في الرأي لا يلغي الحق، ولا يجعل المخالف باطلًا، وأن العلماء كانوا يختلفون في المسائل مع بقاء الاحترام والتقدير المتبادل بينهم.
إن تأمل واقع المجتمعات الإسلامية اليوم يكشف عن انتشار مظاهر الإقصاء والاستقطاب، حتى أصبح الحوار الهادئ يفسح المجال للاتهام والتخوين، وتراجعت قيم التسامح والتفاهم، وساهم الإعلام الموجه ومنصات التواصل في تأجيج الخلافات ونشر الكراهية، مما أدى إلى زيادة الانقسام وإضعاف الثقة بين أفراد المجتمع.
وقد ذم القرآن الكريم عقلية احتكار الحقيقة، وصورها في قول فرعون: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: 29]، وهي عقلية ترى أن الصواب لا يكون إلا فيما تعتقده، وترفض كل رأي مخالف، مهما كان مستنده أو دليله.
إن الحاجة اليوم تزداد إلى ترسيخ ثقافة الحوار وقبول التنوع الفكري المنضبط، وإتاحة المجال لتبادل الآراء والخبرات، فالحكمة ضالة المؤمن، أنى وجدها فهو أحق الناس بها. كما أن تعدد وجهات النظر يسهم في تنمية الفكر، ويحفز الإبداع، ويقود إلى حلول أكثر نضجًا واتزانًا.
لقد أثبت التاريخ الإسلامي أن الحضارة لم تزدهر إلا في بيئة احتضنت الاجتهاد والحوار، حيث أسهم اختلاف العلماء والمفكرين في إثراء العلوم، وتطوير الفقه، وبناء صرح حضاري امتد أثره إلى العالم كله. ولم يكن الاختلاف سببًا للفرقة، بل كان مصدرًا للتجديد والتكامل.
ومن هنا، فإن التعددية الفكرية ليست ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة تفرضها طبيعة البشر واختلاف عقولهم ومداركهم. فكل رأي صائب يزيد الحقيقة وضوحًا، وكل نقاش هادف يفتح بابًا للفهم الأعمق. وقد قيل: "إذا تزاحمت العقول خرج الصواب"، وهي حكمة تؤكد أن الحقيقة تزداد إشراقًا بالحوار، لا بالانغلاق.
وفي الختام، فإن الاختلاف المنضبط بضوابط الشرع والأدب هو مصدر قوة للأمة، وليس سببًا لضعفها. أما التعصب للرأي الواحد، واحتكار الحقيقة، وإقصاء المخالف، فهي من أخطر أسباب الانقسام والتطرف. فلنجعل من التنوع الفكري وسيلةً للإثراء، ومن الحوار سبيلًا للتفاهم، ولنتذكر دائمًا أن الاختلاف إذا أحسن التعامل معه، كان بابًا للإبداع، وطريقًا إلى النهضة، وجسرًا نحو مجتمع يسوده الوئام والاحترام المتبادل.
