هل عرت فضيحة "سمسار المحاكم" بالفعل واقع الفساد المستشري بقطاع العدل أم أن الأمر مجرد عملية "نصب" معزولة؟

هل عرت فضيحة "سمسار المحاكم" بالفعل واقع الفساد المستشري بقطاع العدل أم أن الأمر مجرد عملية "نصب" معزولة؟

بقلم : اسماعيل الحلوتي

مساء يوم الخميس 14 نونبر 2019 انتشر بين المغاربة بسرعة البرق وعلى نطاق واسع في مواقع التوصل الاجتماعي، شريط فيديو يوثق لعملية سمسرة حول تخفيف حكم قضائي أو إلغائه لفائدة سجينة، مقابل مبلغ مالي حدد في 35 ألف درهم، يظهر فيه شخص يدعى "عادل" مكشوف الوجه يفاوض امرأة داخل سيارة بلغة مباشرة وواضحة. اضطرت معه النيابة العامة إلى التفاعل إيجابيا مع فحوى الشريط المصور وإصدار تعليماتها للشرطة القضائية، التي بادرت على الفور إلى إجراء بحث دقيق انتهى بوقوع "السمسار" في قبضتها.

وهي الفضيحة التي خلفت وراءها ضجة عارمة وردود أفعال ساخطة، حيث تعالت أصوات التنديد والاستنكار، تطالب السلطات المعنية بالتدخل لاتخاذ ما يلزم من عقوبات صارمة في حق المتورطين، حتى يكونوا عبرة لكل المفسدين ومنعدمي الضمير. وهو ما ذهب إليه نادي القضاة بالمغرب، الذي لم يتأخر بدوره في إصدار بلاغ للرأي العام الوطني، يؤكد من خلاله على أن الشريط المتداول بين الناس يضرب في العمق مصداقية العدالة ويمس بسمعتها، سواء كمؤسسة رسمية أو هيئات جمعوية أو أفراد، ويصر على ضرورة التعجيل بفتح تحقيق والكشف عن ملابسات النازلة ومحاسبة كل من له يد فيها.

وبصرف النظر عن طبيعة القضية موضوع "السمسرة" والرائجة أطوارها في المحكمة، ومدى ملاءمة العقوبة الحبسية المصرح بها في الشريط مع القانون الجنائي المغربي، ولا من يقف خلف السمسار ويسخره لهذه الأغراض الدنيئة، فإن ما يهمنا هنا والآن هي هذه الصفعة القوية الموجهة للقضاء، الذي تعفن بفعل ممارسات بعض الدخلاء المنافية للقانون، والتي أحيت النقاش من جديد عن واقع الفساد والرشوة داخل سلك القضاء. إذ لم يمر وقت طويل عن معاقبة عدد من القضاة في السنوات الأخيرة، بسبب قضايا مرتبطة بالانحراف والرشوة والفساد والإخلال بالشرف والوقار وعدم إعطاء مبررات مقنعة عن مصادر الثروة ومخالفات مهنية وسلوكية وعدم الالتزام بمبادئ النزاهة والحياد.

فالقضاء الذي يفترض فيه أن يكون رافعة أساسية لتنمية المجتمع وضمان رقيه وازدهاره، باعتباره إحدى أرقى الوظائف الإنسانية في العالم، والملاذ الآمن الذي يمكن للمواطن الاحتماء به من أجل الحصول على حريته وحقوقه المشروعة، ورفع الظلم عنه بردع الظالم والمستبد، بات فساده اليوم حقيقة مرة لا يمكن لأي كان حجبها مهما حاول ذلك جاهدا، لاسيما في عصر الثورة التكنولوجيا وتعدد وسائط الاتصال، وأصبحت محاكمنا للأسف الشديد سوقا مفتوحة تباع فيها الأحكام لمن يدفع أكثر ضد القانون. فأين نحن من قوله تعالى في محكم كتابه العزيز: "وإذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل"؟

إن نشر شريط سمسار الأحكام القضائية، يعتبر بمثابة هبة ريح أزاحت الغبار عن ملف ثقيل لم ينفك يؤرق المواطنين ويقض مضاجعهم وخاصة المتقاضين منهم، الذين تقودهم الظروف مكرهين إلى ردهات المحاكم، لما يتخلل قطاع القضاء برمته من أعطاب عديدة ومتنوعة تضر بمصالح البلاد والعباد. فما حدث ويحدث يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن "محاربة الفساد" ليست سوى شعارا براقا تستغله الأحزاب السياسية وفي مقدمتها الحزب "الحاكم" العدالة والتنمية، في حملاتها الانتخابية لدغدغة العواطف واستمالة الناخبين. ولا أدل على ذلك أكثر من التقارير الرسمية للمنظمات والهيئات الوطنية والدولية بما فيها منظمة الشفافية الدولية والهيئة المركزية للوقاية من الرشوة وغيرهما كثير، التي تشهد جميعها بواقع الفساد ببلادنا واحتلالها الرتب المتدنية في مؤشرات التنمية ومحاربة الفساد، حيث لم يعد هناك قطاع يخلو من آثار هذه المعضلة الخطيرة التي تعطل مسار التنمية وتحول دون جلب الاستثمار.

فالرسول الكريم سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام قال: "القضاة ثلاثة: قاضيان في النار وقاض في الجنة، قاض قضى بالهوى فهو في النار، وقاض قضى بغير علم فهو في النار، وقاض قضى بالحق فهو في الجنة"، مما يثبث إلى أي حد أن مهنة القضاء ذات شأن عظيم ومن أنبل المهن في التاريخ الإسلامي، وأن ولاة الأمور كانوا شديدي الحرص على تعيين الأصلح والأعلم والأتقى، تفاديا لما يمكن أن يحدث من انزلاقات ومخاطر في حال تولي المنصب من هو فاسد وغير مؤهل لأداء الواجب على أحسن وجه. فأين نحن من أمر الله وحديث نبيه الكريم عن إقامة العدل، والدراسات الميدانية تثبت بأن قطاع العدالة ببلادنا هو الأكثر ارتشاء، في الوقت الذي يستوجب أن يكون الأكثر تصديا لجميع أشكال الفساد والضرب بيد من حديد على المفسدين والخارجين عن القانون كيفما كان شأنهم؟

إن من بين تخلف وفساد المنظومة القضائية ببلادنا، أنها تفتقر يالأساس إلى تلاثة عناصر أساسية: الاستقلالية والنزاهة والكفاءة. وهو ما يستدعي أن تقوم الحكومة بمبادرات عملية عاجلة في اتجاه تخليق القطاع وتوجيه ممارسات القضاة بما يتناسب مع معايير الأخلاق وطنيا ودوليا، والسهر على إلزام القضاة بالتصريح بممتلكاتهم من أجل تكريس سلوك قضائي متميز ورفيع، وتحقيق قضاء عادل وقوي ونزيه وشفاف ومستقل، يصون حقوق المواطنين. فالعدل هو أساس الحكم، وبتطبيق القانون وإحقاق الحق في آجال معقولة وبدون تلكؤ أو تباطؤ، تطمئن النفوس وتستقر حياة المجتمع وجميع أفراده.


التعليقات

15

آراء القراء مرتبة من الأحدث إلى الأقدم

محمد

الواقع

تعليق 1

والله هذا الشريط عرى الواقع كما عرى شريط تلاميذ السياسيون الواقع

متتبع

متتبع

تعليق 2

من يريد فعلا الخير والنماء لهذه البلاد السعيدة فا لامر خطير جدا والناس تعرفه حق المعرفة لذلك لايجب الاقتصار على هذا السمسار ابدا .والا سنكون نكذب على أنفسنا. والعبرة بالنتائج . والنتيجة يجب ان تكون على الأقل كالآتي: القبض كل سنة على الأقل واقول كل سنة على: 2 قصات 1 وزير 5 مديرين مركزيين 5 مدراء جهويين و مؤسسات عمومية 8 مناديب اقليميين 16 رئيس قسم و مصلحة 20 دركي و شرطي و60 سميارا من هذا النوع وغيره 40 قائدا و شيخا وبشوات 200 مواطنا مشاركا و و و. غير هذا فالثقة في الدولة اعتبروها غير موجودة وانتظروا الاسوأ. والسؤال هل الكل نزهاء والمنطق يقول لا ثم لا. فحذاري

لحسن عبدي

الخبر مقدس والتعليق حر

تعليق 3

المتهم بريء حتى تثبت ادانته ، فما البال الاعلام يتسرع وينشر الريبة في جهاز باكمله دون في غياب اي اتهام ، واعتمادته على مجرد إشاعة ، وتبنيه الحالات الفردية بؤسسة باكملها ، انه العبث ومزيد من فقدان المصداقية من الإعلام وموضوعيته وعدم التزامه بقدسية الخبر وحرية التعليق .

عبد المالك

الزبونية والابتزاز

تعليق 4

من المقهور في هذا البلد العزيز؟ إنه المواطن الضعيف والطبقة المتوسطة التي يجري ويطبق عليها القانون اما اصحاب النفوذ في جميع القطاعات وزراء كانوا او برلمانيين او في السلك القضائي او ناهبي المال العام إنهم معفيين من التابعة او المساءلة او الزج بالمتهمين في السجون والدليل من صاحب الدار تقارير السيد جطو التي لا تابع ولا متبوع فيها لا من القضاء ولا من البرلمان.

تعليق 5

ههههههههه قال ليك حادثة معزولة . حمورابي جبتو ليه الضحك و البكاء في نفس الوقت

بركان

تعليق 6

عملية الرشوة بنيوية في القضاء المغربي، تنطلق منذ ولوج المعهد العالي للقضاء، أغلبية المتدربين بهذا المعهد التحقوا به عن طريق الرشوة والزبونية والمحابات . وهذا صحيح على سبيل المثال يمكن الرجوع إلى لاءحة المتخرجين خلال الأفواج السابقة والمتدربين الحاليين في المعهد ستجدون نفس الاسماء العاءلية التي تمارس هذه المهنة. إذن القضاء في المغرب محصن ومقتصر للعاءلات وارثا لهم، وليس لأبناء الشعب.

ودادية رياض الصحراء

مضلوم ودادية رياض الصحراء

تعليق 7

هاهي قضية ودادية رياض الصحراء خير دليل بكلميم الوكيل الله اعمر له الدار انسان في المستوى انسان ماشاء الله الله اكتر من امتالو انسان في المكان المناسب .او معرفنا فين كين المشكل ......مهمة الوكيل انتهت .

صحرواي

تعليق 8

بل هو الواقع المر.

قارءة

من أين لك هذا

تعليق 9

إذا أردتم معرفة الحقيقة فابحثوا عنها في ثرواتهم وممتلكاتهم ! الكل يعرف كم هي أجور القضاة على اختلاف درجاتهم وأقدمياتهم ... إذن من أين تحصلوا على ڤيلاتهم وشاليهات في البحر و في مراكش وسيارات فارهة في ملكهم وملك ابنائهم وزوجاتهم ؟ تايقولو ناس زمان : اللي ما هو خراز يتبع النفذ ... والفاهم يفهم

Moh

المصور ؟

تعليق 10

الكل يتحدث عن السمسار لكن من صور الشريط ونشرها على وسائل الاتصال ؟ ولماذا قام بنشره ؟ ما خلفيته ؟....

كريم

خلل في الميزان

تعليق 11

العدل اساس المساواة اساس الحياة العدل دفن وجرت مراسيم الجنازة منذ مدة العدل هجرنا واستفاد منه غيرنا العدل عندنا مصدر ثراء لا غير العدل بصمة عار على كل من ادى اليمين

ابو محمد

المحامون

تعليق 12

بعض المحامون سماسرة كذلك لبعض القضاة و اذا اردتم تنظيف القضاء فابدؤو بمراقبة علاقة المحامون و القضاة ، حسبي الله و نعم الوكيل فيهم

عبد الواحد

لا نزاهة في القضاء المغربي

تعليق 13

السمسار دابا هو كبش فداء .ولماذا لا يحاسب القاضي الدي وافق على إنزال الحكم من 8 اشهر الى 60 يوم .ألمغرب معروف من زمان الرشوة في اي مجال. وشكرا جزيلا لكم.

رشيد

واقع الحال

تعليق 14

هذا هو الواقع بكل تاكيد

رشید

جهال

تعليق 15

هل لديكم شك في فساد جهاز القضاء؟ انا شخصيا لم تكن لدي اي بدرة شك وليس القضاء وحده ففي كل الميادين حدث ولا حرج سرطان قاتل اصاب البلاد واهلك الحرث والنسل اللهم اهلك الضالمين

أضف تعليقك

شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.

النشر بعد المراجعة
من 30 إلى 1000 حرف — لا تُقبل الروابط أو أكواد HTML. 0 / 1000
ضوابط النشر

التعليقات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع. يُمنع التجريح أو الإساءة للأشخاص والمقدسات، وقد يُحذف المحتوى المخالف.