المساوئ الأخرى لجائحة كورونا...مرضى خارج مفكرة الحكومة !
بقلم : إسماعيل الحلوتي
بعيدا عن أي حسابات أو مزايدات سياسوية لن تخدم في شيء مصلحة البلاد خلال هذه المرحلة العصيبة، التي يمر به الشعب المغربي إلى جانب باقي شعوب العالم من حالة قلق واكتئاب شديدين، جراء تفشي جائحة كورونا المستجد التي ما برحت تحصد آلاف الأرواح في مختلف بقاع الأرض منذ أواخر شهر دجنبر 2019، في انتظار أن تأتي الدراسات والبحوث الجارية على قدم وساق باللقاح الفعال، الذي يخلص اٌلإنسانية جمعاء من مخاطر الوباء.
وبعيدا عما تعيش على وقعه مستشفياتنا خلال هذه الأسابيع الأخيرة التي تلت عيد الأضحى المبارك ونهاية العطلة السنوية والدخول المدرسي، من ضغط مرهق بسبب استمرار حصيلة عداد الإصابات المؤكدة بالفيروس التاجي في التزايد، وارتفاع الحالات الحرجة بغرف الإنعاش تحت التنفس الاصطناعي وكذا حالات الوفيات، وما ترتب عن ذلك كله من شعور بالهلع وحالة اللايقين بين الناس.
وبعيدا كذلك عن مدى قدرة المنظومة الصحية على الصمود أمام هذا المد الهائل من الإصابات في ظل ضعف الإمكانات والتجهيزات الضرورية والنقص الصارخ في الموارد البشرية ومحدودية الوزارة الوصية في التواصل، حيث أنها ظلت طوال الشهور الماضية تكتفي فقط بخرجات بعض مسؤوليها مساء كل يوم لتعداد المرضى الجدد والمتعافين منهم والمخالطين لهم وعدد الوفيات حسب التوزيع الجغرافي، قبل أن تعود لاعتماد نشر هذه الإحصائيات عبر موقعها الرسمي وتوزيعها على وسائل الإعلام...
فإننا نجد في المقابل أشخاصا من مختلف الفئات العمرية يواجهون مصيرهم في صمت رهيب من غير أن تلتفت إلى أحوالهم الصحية المتردية الجهات المعنية، إذ هناك من طالهم الإهمال والتهميش إلى أن قضوا نحبهم بعيدا عن الأضواء دون أن تشملهم تلك الإحصائيات المعلن عنها من قبل الوزارة، وهناك من لازالوا ينتظرون دورهم الذي لا يبدو بعيدا، ويتعلق الأمر بالذين يعانون من أمراض معدية أو مزمنة لا تقل فتكا عن "كوفيد -19".
فليس هناك أي اختلاف ولا أدنى شك في أن جائحة كورونا التي ضربت العالم وقلبت مظاهر الحياة فيه، أضحت تشكل هما ثقيلا على القلوب وتهديدا كبيرا للصحة العامة، وأن للسلطات العمومية كامل الصلاحية في اتخاذ من الإجراءات الاحترازية والوقائية ما تراه كفيلا بمحاصرة تفشي الوباء والحفاظ على السلامة الصحية للمواطنات والمواطنين، ومن بينها فرض قيود على بعض الحقوق كاللجوء إلى الحجر الصحي الجزئي أو الشامل وإعلان حالة الطوارئ الصحية وتقييد حرية التنقل برخص استثنائية بصفة مؤقتة والتكفل بالأشخاص المصابين بالفيروس ومخالطيهم، غير أنه لا يجوز لها أن تجعل من ذلك مبررا للتمييز بين المرضى على اختلاف فئاتهم الاجتماعية وأنواع أمراضهم.
حيث أنه لوحظ التركيز فقط على مرضى "كوفيد -19" والانشغال بسبل علاجهم حتى داخل بيوتهم، فيما تم إغفال العناية بغيرهم من الذين يعانون من باقي الأمراض، حتى تلك التي لا تتوقف عن حصد أرواح الملايين عبر العالم مثل مرض السل ومرض الحصبة والالتهاب الرئوي الحاد لدى الأطفال أو الالتهاب الجرثومي، بسبب تعليق حملات التلقيح المعتادة، وبذلك أصبحت الإصابة بداء "كوفيد -19" تحول دون استفادة الأطفال والمصابين بأمراض مزمنة من حقهم في العناية الصحية الواجبة.
فحسب ما تتضمنه التقارير الصحية وجاء بشكل ملخص في عمود "شوف تشوف" لصاحبه ومدير نشر جريدة "الأخبار" رشيد نيني، الصادرة بتاريخ 25 شتنبر 2020 أن هناك: "خمسة ملايين مغربي مصاب بفيروس السل وحوالي 50 بالمائة من المغاربة مصابين بالضغط الدموي، وأن السبب الأول في موت المغاربة هي الأمراض المرتبطة بالقلب والشرايين والسكري التي يتسبب في ظهورها الضغط، وأن هناك 400 ألف مغربي مصاب بفيروس التهاب الكبد، ويوجد بين كل 100 ألف مغربي 139 مصاب بالسرطان، الذي يقتل سنويا 33 ألف مغربي، وأكثر من مليون مغربي مصاب بالقصور الكلوي، وأن زهاء 80 بالمائة من كل هؤلاء المرضى لا يستطيعون توفير مصاريف العلاج، فضلا عن أنه يموت يوميا: 180 مريضا بالقلب، و65 بالسرطان، ويتسبب التلوث الجوي في موت 46 شخصا والأمراض التنفسية 28 شخصا". فكم يا ترى قتلت جائحة كورونا ببلادنا في الستة شهور الماضية؟
ذلك أنه في ظل الحجر الصحي الشامل الذي دام ثلاثة أشهر وما رافقه من حملات إعلامية تحسيسية بخطورة الوباء، لاسيما بالنسبة للأشخاص الأكثر عرضة للإصابة به من المسنين ومعهم المصابين بأمراض مزمنة، الذين استبد بهم القلق والهلع إلى الحد الذي لم يعد معه الكثيرون منهم قادرين على مغادرة بيوتهم والذهاب إلى المستشفيات لتلقي العلاج، خوفا من العدوى والموت، علما أن الآلاف منهم في أمس الحاجة إلى أدوية داء السكري والربو والانسداد الرئوي وارتفاع ضغط الشرايين وغيره...
إن القانون الدولي لحقوق الإنسان يضمن للجميع حق التداوي، مما يلزم الحكومة بضرورة اتخاذ كل الاحتياطات الجديرة بحماية كافة المواطنات والمواطنين، وأن تعامل المرضى على قدم المساواة بصرف النظر عن طبيعة المرض ودرجة خطورته، كأن تقوم مثلا بتخصيص مراكز استشفائية معزولة لمرضى "كوفيد -19"، وأن تتكفل مستوصفات الأحياء بباقي الأمراض المختلفة، عوض التمادي في سياسة الهروب إلى الأمام عبر الحديث عن "التطبيب عن بعد"، الذي تعلم جيدا أنه لن يجدي نفعا في تجاوز الأزمة الصحية الخانقة، بالنظر إلى العديد من التعقيدات في القرى والمدن على حد سواء...

أضف تعليقك
شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.