حملة مراقبة تسفر عن حجز مخبوزات فاسدة ولحوم ديك رومي غير صالحة للاستهلاك بالحي الحسني

لبؤات الأطلس: التأهل كان مستحقًا وسنواصل المشوار بثقة بعد خروج السنغال

بعد إهدارها ركلتي جزاء.. ياسمين أمرابط: لم أفقد الثقة وسأواصل القتال

حماس جماهيري كبير يسبق مباراة لبؤات الأطلس أمام السنغال

جماهير مغربية واثقة: غادي نردو ثأر الكان ولبؤات الأطلس غادي ينتاصرو على السنغال

رائحة كريهة تكشف جثة متحللة داخل منزل بمدينة فاس

بوسحابة يكتب: أوروبا "الجنة".. وهم زائف تحوّل إلى حلم قاتل

بوسحابة يكتب: أوروبا "الجنة".. وهم زائف تحوّل إلى حلم قاتل

أخبارنا المغربية - عبدالإله بوسحابة

ليس دفاعا عن أحد، ولا رغبة في تبرئة الدولة من مسؤولياتها، لكن من الضروري، ونحن نناقش أزمة سبتة، أن نتجنب بعض القراءات الجاهزة التي اختزلت ما وقع في الفقر والقهر وغياب الأمل، وكأن آلاف المغاربة قرروا في لحظة واحدة أن يفروا من وطنهم بحثا عن حياة أفضل. الحقيقة، في تقديري، أكثر تعقيدا، لأن ما حدث كان استثنائيا ومفاجئا، ولو كان تعبيرا عن رغبة جماعية ومستدامة في الهروب من المغرب، لكانت الحشود ما تزال مرابطة يوميا على أبواب سبتة بحثا عن فرصة للعبور، وهو ما لم يحدث.

السؤال الحقيقي إذن هو: ماذا جرى في تلك الساعات؟ وكيف تجمعت تلك الأعداد الكبيرة في وقت وجيز؟ ومن أين جاءت المعلومة التي دفعت الآلاف إلى الاعتقاد بأن فرصة استثنائية قد فتحت أمامهم؟ هنا لا يمكن تجاهل الدور الكبير الذي لعبته مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصا بعد تداول معلومة مرتبطة بقرار قضائي إسباني قيل إنه يمنع إعادة المهاجرين السريين الذين يصلون إلى سبتة أو مليلية سباحة. ومهما كانت التفاصيل القانونية لهذه المعلومة، فإن انتشارها بهذه الطريقة كان كافيا لتحويلها في مخيلة البعض إلى «فرصة العمر»، قبل أن تتحول الرغبة الفردية في الهجرة إلى موجة جماعية بفعل التجييش الرقمي وتأثير العدوى الجماعية.

وهذا لا يعني أن المغرب لا يعاني من مشاكل اجتماعية واقتصادية حقيقية، أو أن الشباب لا يبحثون عن فرص أفضل، لكن اختزال أزمة سبتة في هذه العوامل وحدها يبقى تبسيطا غير مقنع. فالمغرب يعرف يوميا هجرة قانونية لآلاف الكفاءات والطلبة والمهنيين نحو وجهات توفر فرصا أفضل، وهؤلاء لا يهربون، وإنما يهاجرون وفق مسارات واضحة، مستفيدين من شهاداتهم وخبراتهم ومهاراتهم. بل إن قطاعات مغربية عديدة تعاني أصلا من خصاص في الموارد البشرية، ما يجعل الاعتقاد بأن كل من اجتهد ودرس واكتسب مهارة لا يمكنه بناء مستقبل داخل المغرب، أمرا لا يستقيم مع الواقع.

المشكلة الحقيقية تكمن أيضا في الصورة الوهمية التي يحملها جزء من شبابنا عن أوروبا، باعتبارها فردوسا لا تنقصه سوى لحظة الوصول. هناك من يتخيل أن العمل مضمون، والمال وفير، والسكن متاح، والدولة ستتكفل بكل شيء، وأن الحياة ستتحول بمجرد عبور البحر إلى رفاه دائم. لكن هذه ليست أوروبا الحقيقية، وإنما أوروبا التي صنعتها مواقع التواصل الاجتماعي من خلال صور السيارات والمطاعم والملابس والعطلات، بينما يتم إخفاء الوجه الآخر للحياة هناك، بما تتضمنه من غلاء السكن، وارتفاع تكاليف المعيشة، والضرائب، والفواتير، ومصاريف العلاج والتعليم، وضغط العمل، وصعوبة الاندماج والمنافسة على فرص الشغل.

وبعبارة مغربية بسيطة، فإن جزءا كبيرا مما يربحه المهاجر يذهب مباشرة إلى تكاليف الحياة، وما يبدو من الخارج حياة مترفة قد يكون في الواقع نتيجة سنوات من العمل والتقشف والتضحيات. لذلك فإن مشاهدة سيارة فاخرة أو منزل جميل أو عطلة صيفية لا تعني بالضرورة أن صاحبها يعيش في «الجنة»، لأن الصورة التي تظهر على شاشة الهاتف لا تكشف حجم الضرائب والمصاريف والالتزامات التي يتحملها صاحبها طوال العام. والمفارقة أن بعض الشباب قد يكون مستعدا للمخاطرة بحياته من أجل حياة لا يعرف عنها سوى صورتها اللامعة، دون أن يسأل نفسه السؤال الأهم: ماذا أملك أنا حتى أنجح هناك؟

لا أحد يمنع مغربيا من الحلم بحياة أفضل، والهجرة القانونية خيار مشروع، بل إن البحث عن فرص أفضل في الخارج أمر طبيعي. لكن الخطورة تبدأ عندما يتحول الطموح إلى وهم، وعندما يقتنع شاب لا يتوفر على شهادة أو خبرة أو حرفة أو لغة بأن مجرد الوصول إلى أوروبا كفيل بتغيير حياته. عندها يصبح البحر طريقا نحو المجهول، ويصبح الحلم مشروعا للمخاطرة بالحياة، وتتحول صورة مصطنعة على مواقع التواصل الاجتماعي إلى قرار قد تكون كلفته أغلى من أن تحتمل.

وبالتأكيد، فإن الدولة مطالبة بتوفير تعليم جيد، وصحة تحفظ الكرامة، وفرص شغل حقيقية، وعدالة مجالية، ومحاربة الفساد والريع، وتحسين شروط العيش. لكن تحميل الدولة وحدها مسؤولية كل ما وقع هو أيضا تبسيط مخل، لأن الأسرة والمدرسة والإعلام والمجتمع والشاب نفسه يتحملون مسؤوليات لا تقل أهمية. الدولة لا تستطيع أن تمنع كل مواطن من تصديق إشاعة على «فايسبوك»، ولا أن تدخل كل بيت لتشرح لكل شاب أن أوروبا ليست جنة، كما لا يمكنها أن تعوض الأسرة في التربية، أو أن تمنح النجاح لشخص لم يكتسب أيا من أدواته.

لهذا، فإن أزمة سبتة يجب أن تدفعنا إلى مواجهة شيء أخطر من مجرد الهجرة غير النظامية، وهو اقتصاد الوهم الذي تصنعه منصات التواصل الاجتماعي، حين تقدم الحياة في الخارج في أجمل صورة ممكنة وتخفي ثمنها الحقيقي. المغرب يحتاج إلى فرص أفضل لشبابه، نعم، لكنه يحتاج أيضا إلى أن يقول لهم الحقيقة كاملة: لا توجد جنة مجانية في أي مكان، ومن أراد الهجرة فليهاجر بعلمه وشهادته ومهنته ولغته وعقد عمله وتأشيرته، لا بجسده في مياه البحر. لأن النجاح لا يأتي من تغيير الجغرافيا وحده، وإنما من امتلاك ما يجعل الإنسان قادرا على فرض نفسه أينما حل.

إن أزمة سبتة ليست فقط أزمة هجرة، ولا مجرد أزمة اجتماعية، بل هي أيضا أزمة وعي ومعلومة وصورة ذهنية. وما لم ننجح في تفكيك وهم «أوروبا الجنة»، فإننا سنظل ننتقل من موجة إلى أخرى، ومن إشاعة إلى أخرى، ومن حلم إلى آخر، إلى أن يتحول الوهم مرة أخرى إلى حلم قاتل.


هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات
المقالات الأكثر مشاهدة